باب بلوغ الصبيان وشهادتهم
حدثنا عبيد الله بن سيد قال : حدثنا أبو أسامة قال : حدثني عبيد الله قال : حدثني نافع قال : حدثني ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ، ثم عرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني ، قال نافع : فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته هذا الحديث فقال : إن هذا لحد بين الصغير والكبير ، وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة . مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضحها بأن بلوغ الصبي في خمس عشرة سنة باعتبار السن ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أجاز لابن عمر وسنه خمس عشرة ، فدل على أن البلوغ بالسن بخمس عشرة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول عبيد الله بن سعيد ، كذا وقع في جميع الأصول عبيد الله بتصغير عبد وهو أبو قدامة السرخسي ، ووقع لبعض الحفاظ عبيد بن إسماعيل ، وبذلك جزم البيهقي في ( الخلافيات ) فأخرج الحديث من طريق محمد بن الحسين الخثعمي عن عبيد بن إسماعيل ، ثم قال : أخرجه البخاري عن عبيد بن إسماعيل .
( قلت ) : عبيد بن إسماعيل واسمه في الأصل عبد الله يكنى أبا محمد الهباري القرشي الكوفي وهو من مشايخ البخاري ومن أفراده ، ويحتمل أن يكون البخاري روى الحديث المذكور عنهما جميعا ، فوقع هنا في كثير من النسخ عبيد الله بن سعيد ، ووقع في بعضها عبيد بن إسماعيل على أن عبيد بن إسماعيل أيضا روى عن أبي أسامة . الثاني : أبو أسامة حماد بن أسامة وقد تكرر ذكره . الثالث : عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب .. .
وفي السند التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع . والحديث أخرجه ابن ماجه في الحدود عن علي بن محمد . ( ذكر معناه ) : قوله : عرضه يوم أحد ذكر ابن عمر هنا عرضه وبعد ذلك قال : عرضني ، لأن الأصل عرضه ، وأما التكلم على سبيل الحكاية فهو نقل كلام ابن عمر بعينه ، فإن كان الكل كلام ابن عمر لا كلام الراوي يكون من باب التجريد ، فإن ابن عمر جرد من نفسه شخصا وعبر عنه بلفظ الغائب ، وجاز في أمثالها وجهان : تقول : أنا الذي ضربت زيدا وأنا الذي ضرب زيدا .
قوله : فلم يجزني يعني في ديوان المقاتلين ولم يقدر لي رزقا مثل أرزاق الأجناد ، وفي صحيح ابن حبان : فلم يجزني ولم يرني بلغت . قوله : يوم الخندق ووقع في جمع الحميدي بدل الخندق يوم الفتح وهو غلط نقله أبو الفضل بن ناصر السلامي عن تعليقة أبي مسعود وخلف ، قال : وتبعهما شيخنا الحميدي ، وراجعنا الكتابين في هذا فلم نجد فيهما إلا الخندق وهو الصواب ، وفي رواية ذكرها ابن التين : عرضت عام الخندق ولي أربع عشرة فأجازني قال : وقيل : إنما عرض يوم بدر فرده وأجازه بأحد ، وقال بعضهم : ذكر الخندق وهم ، وإنما كانت غزوة ذات الرقاع لأن الخندق كانت سنة خمس وهو قال : إنه كان في أحد ابن أربع عشرة ، فعلى هذا يكون غزوة ذات الرقاع هي المرادة لأنها كانت في سنة أربع بينها وبين أحد سنة ، وقد يجاب بأنه يحتمل أن ابن عمر في أحد دخل في أول سنة أربع من حين مولده ، وذلك في شوال منها ، ثم تكملت له سنة أربع عشرة في شوال من الآتية ، ثم دخل في الخامس عشرة إلى شوالها الذي كانت فيه الخندق ، فكأنه أراد أنه في أحد في أول الرابعة ، وفي الخندق في آخر الخامسة ، وقد روي عن موسى بن عقبة وغيره أن الخندق كانت سنة أربع ، فلا حاجة إذن لهذه الأمور . قوله : قال نافع موصول بالإسناد المذكور .
قوله : إن هذا لحد أي : إن هذا السن وهو خمس عشرة سنة نهاية الصغر وبداية البلوغ ، وفي رواية ابن عيينة عن عبيد الله بن عمر عند الترمذي فقال : هذا حد ما بين الذرية والمقاتلة . قوله : وكتب إلى عماله بضم العين المهملة وتشديد الميم جمع عامل وهم النواب الذين استنابهم في البلاد ، وفي رواية مسلم زيادة قوله : ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال . قوله : أن يفرضوا أي : يقدروا لهم رزقا في ديوان الجند .
ومما يستفاد منه أن من استكمل خمس عشرة سنة أجريت عليه أحكام البالغين وإن لم يحتلم فيكلف بالعبادات وإقامة الحدود ، ويستحق سهم الغنيمة ، ويقتل إن كان حربيا وغير ذلك من الأحكام ، ومن ذلك أن الإمام يستعرض من يخرج معه للقتال قبل أن يقع الحرب ، فمن وجده أهلا استصحبه ومن لا فيرده ، وقال بعضهم : وعند المالكية والحنفية لا تتوقف الإجازة للقتال على البلوغ ، بل للإمام أن يجيز من الصبيان من فيه قوة ونجدة ، فرب مراهق أقوى من بالغ ، وحديث ابن عمر حجة عليهم . انتهى . ( قلت ) : ليس بحجة عليهم أصلا لأن حكم المراهق كحكم البالغ ، حتى إذا قال : قد بلغت ، يصدق .