باب قول النبي للحسن بن علي ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين
ج١٣ / ص٢٨٢( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للحسن بن علي رضي الله عنهما : ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين ) ( وقوله جل ذكره فأصلحوا بينهما ) وقوله بالجر عطفا على قوله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأشار بذكر هذه القطعة من الآية الكريمة وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا إلى أن الصلح أمر مشروع ومندوب إليه .
13 - حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا سفيان ، عن أبي موسى قال : سمعت الحسن يقول : استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال ، فقال عمرو بن العاص : إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها ، فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين : أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس ، من لي بنسائهم ، من لي بضيعتهم ، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز ، فقال : اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه ، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه ، فقال لهما الحسن بن علي : إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من المال ، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها ، قالا : فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك ، قال : فمن لي بهذا ؟ قالا : نحن ج١٣ / ص٢٨٣لك به ، فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به ، فصالحه ، فقال الحسن : ولقد سمعت أبا بكرة يقول : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه ، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول : " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها مأخوذة من الحديث ، وعبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي ، وسفيان هو ابن عيينة ، وأبو موسى هو إسرائيل بن موسى البصري نزل الهند ، والحسن هو البصري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في فضل الحسن رضي الله تعالى عنه عن صدقة بن الفضل ، وفي الفتن عن علي بن عبد الله ، وفي علامات النبوة عن عبد الله بن محمد ، وأخرجه أبو داود في السنة عن مسدد ومسلم بن إبراهيم ، وعن محمد بن المثنى ، وأخرجه الترمذي في المناقب عن بندار ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي قدامة السرخسي ، وفي الصلاة عن محمد بن منصور ، وفي اليوم والليلة عن قتيبة بن سعيد ، وعن محمد بن عبد الأعلى ، وعن أحمد بن سليمان مرسل . ( ذكر معناه ) قوله : ( الحسن بن علي ) فاعل قوله استقبل ، ولفظة ( والله ) معترضة بينهما ، و( معاوية ) بالنصب مفعوله ، قوله : ( بكتائب ) جمع كتيبة وهي الجيش ، ويقال الكتيبة ما جمع بعضها إلى بعض ، ومنه قيل للقطعة المجتمعة من الجيش كتيبة ، قال الداودي : سميت بذلك لأنه كتب اسم كل طائفة من كتاب فلزمها هذا الاسم ، قوله : ( أمثال الجبال ) أي لا يرى لها طرف لكثرتها كما لا يرى من قابل الجبل طرفيه ، وكانت ملاقاة الحسن مع معاوية بمنزل من أرض الكوفة ، وكان الحسن لما مات علي رضي الله تعالى عنه بايعه أهل الكوفة ، وبايع أهل الشام معاوية ، فالتقيا في الموضع المذكور وبعد كلام طويل ومحاورات جرت بينهما سلم الحسن الأمر إلى معاوية ، وصالحه وبايعه على الأمر والطاعة على إقامة كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم رحل الحسن إلى الكوفة ، فأخذ معاوية البيعة لنفسه على أهل العراقين ، فكانت تلك السنة سنة الجماعة لاجتماع الناس واتفاقهم وانقطاع الحرب ، وبايع معاوية كل من كان معتزلا عنه ، وبايعه سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ، وتباشر الناس بذلك ، وأجاز معاوية الحسن بن علي بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل ، ثم انصرف الحسن إلى المدينة ، وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة ، وولى البصرة عبد الله بن عامر ، وانصرف إلى دمشق واتخذها دار مملكته ، قوله : ( فقال عمرو بن العاص : إني لأرى كتائب لا تولي ) أراد عمرو بهذا الكلام تحريض معاوية على القتال مع الحسن رضي الله تعالى عنه ، ولا تولي من التولية وهي الإدبار أي إن تولت بغير حملة غلبت لكثرتها ، قوله : ( أقرانها ) بفتح الهمزة جمع قرن بكسر القاف وهو الكفؤ والنظير في الشجاعة والحرب ، قوله : ( فقال له معاوية ) أي قال لعمرو بن العاص معاوية جوابا عن قوله : " إني لأرى كتائب " إلى آخره ، قوله : ( أي عمرو ) مقول قول معاوية أي يا عمرو وإن قتل هؤلاء هؤلاء إلى آخره ، قوله : ( وكان والله خير الرجلين ) من كلام الحسن البصري وقع معترضا بين قوله ( قال له معاوية ) وبين قوله ( أي عمرو ) وقوله : ( والله أيضا ) معترض بين كان وخبره ، وأراد بالرجلين معاوية وعمرا ، وأراد بخيرهما معاوية ، وإنما قال ذلك لأنه كان يعلم أن خلاف عمرو على الحسن بن علي كان أشد من خلاف معاوية إياه لأنه كان يحرض معاوية على القتال معه ، ومعاوية كان يتوقع الصلح ويريد أن يرد الحسن بدون القتال ، وأنه يبايعه ويأخذ منه ما يريده ويذهب إلى المدينة ، وهكذا وقع في آخر الأمر ، وإثبات الحسن البصري الخيرية لمعاوية بالنسبة إلى عمرو لا بالنسبة إلى غيره لأنه لم يشك هو ولا غيره أن الحسن بن علي كان خير الناس كلهم في ذلك الزمان ، قوله : ( إن قتل هؤلاء هؤلاء ) أي إن قتل عسكر الحسن عسكرنا أو عسكرنا عسكره فهؤلاء الأول في محل الرفع على الفاعلية والثاني النصب على المفعولية في الموضعين ، قوله : ( من لي ) جواب الشرط أعني قوله : ( إن قتل ) أي من يتكفل لي بأمور الناس يعني على كلا التقديرين أنا المطالب عند الله ، فإذا وقع الصلح فأكون أنا أول من يسلم في الدنيا والآخرة ، وهذا يدل على نظر معاوية في العواقب ورغبته في دفع الحرب ، قوله : ( من لي بضيعتهم ) هكذا هو في كثير من النسخ ، والضيعة بفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة والمراد به هاهنا العقار ، ويروى " بصبيتهم " وعلى هذه الرواية فسرها الكرماني بقوله : ( والصبية ) المراد بها الأطفال ج١٣ / ص٢٨٤والضعفاء ؛ لأنهم لو تركوا بحالهم لضاعوا لعدم استقلالهم بالمعاش ، قوله : ( عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب ) ضد العدو ابن عبد شمس القرشي ، أسلم يوم الفتح وهو الذي فتح سجستان ، ومات بالبصرة أو بمرو سنة إحدى وخمسين ، وعبد الله بن عامر بن كريز بضم الكاف وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالزاي ، مات رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وقد افتتح خراسان وأصبهان وكرمان ، وقتل كسرى في ولايته ، وقيل : أحرم من نيسابور شكرا لله تعالى ، ومات سنة تسع وخمسين ، قوله : ( واطلبا إليه ) أي يكون مطلوبكما مفوضا إليه وطلبكما منتهيا إليه أي التزما مطالبه ، قوله : ( إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال ) معناه إنا بنو عبد المطلب المجبولون على الكرم والتوسع لمن حوالينا من الأهل والموالي ، وقد أصبنا من هذا المال بالخلافة ما صارت لنا به عادة إنفاق وإفضال على الأهل والحاشية ، فإن تخليت من هذا الأمر قطعنا العادة ، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قتل بعضها بعضا فلا يكفون إلا بالمال ، فأراد أن يسكن الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال ، فقال عبد الرحمن وعبد الله : نفرض لك من المال في كل عام كذا ، ومن الأقوات والثياب ما تحتاج إليه لكل ما ذكرت ، فصالحاه على ذلك فقبل منهما لعلمه أن معاوية لا يخالفهما ، واشترط شروطا وسلم الأمر إلى معاوية ، قوله : ( قالا فإنه يعرض عليك ) أي قال عبد الرحمن وعبد الله : فإن معاوية يعرض عليك ، قوله : ( قال فمن لي بهذا ) أي قال الحسن : فمن يكفل لي بالذي تذكرانه ( قالا نحن لك به ) أي نحن نكفل لك بالذي ذكرنا ، قوله : ( فما سألهما شيئا ) أي فما سأل الحسن عبد الرحمن وعبد الله شيئا من الأشياء إلا قالا نحن لك به أي نحن نكفل لك به ، قوله : ( فصالحه ) أي فلما فرغت هذه المحاورات بينهما وبين الحسن صالح الحسن معاوية ، قوله : ( فقال الحسن ) أي الحسن البصري ، قوله : ( أبا بكرة ) هو نفيع بن الحارث الثقفي والواو في قوله ( والحسن ) وفي قوله ( وهو يقبل ) للحال ، قوله : ( فئتين ) تثنية فئة ، الفئة الفرقة مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف وفأيت إذا شققته ، وجمع الفئة فئات وفئون ، وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى : الفئة الجماعة من الناس في الأصل ، والطائفة التي تقيم وراء الجيش فإن كان عليهم خوف أو هزيمة التجئوا إليهم ، ومعنى عظيمتين قد مر في أول الباب .
وفيه فضيلة الحسن رضي الله تعالى عنه ، دعاه ورعه إلى ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله تعالى ، ولم يكن ذلك لعلة ولا لذلة ولا لقلة ، وقد بايعه على الموت أربعون ألفا ، فصالحه رعاية لمصلحة دينه ومصلحة الأمة ، وكفى به شرفا وفضلا ، فلا أسيد ممن سماه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - سيدا ، وفيه أن الرسل يسمع قولهم ولا يتعرض إليهم ، وفيه ولاية المفضول على الفاضل لأن معاوية ولي وسعد وسعيد حيان وهما بدريان ، وفيه أن قتال المسلم المسلم لا يخرجه عن الإسلام إذا كان على تأويل ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار " المراد به تأكيد الوعيد عليهم ، وقال المهلب : الحديث يدل على أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم علق السيادة بالإصلاح بين الناس .