حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الشروط في الوقف

حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : حدثنا ابن عون ، قال : أنبأني نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها ، فقال : يا رسول الله ، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه ، فما تأمرني به ، قال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، قال : فتصدق بها عمر أنه لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يورث وتصدق بها في الفقراء ، وفي القربى ، وفي الرقاب ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، ويطعم غير متمول ، قال : فحدثت به ابن سيرين ، فقال : غير متأثل مالا . مطابقته للترجمة في قول عمر رضي الله تعالى عنه أنه لا يباع إلى آخره ، ومحمد بن عبد الله ، وابن عون هو عبد الله بن عون البصري . قوله : ( أنبأني نافع ) ، أي : أخبرني ، وقيل : الإنباء يطلق على الإجازة أيضا .

والحديث أخرجه البخاري في الوصايا أيضا عن قتيبة عن حماد ، وأخرجه مسلم في الوصايا عن إسحاق بن إبراهيم به ، وأخرجه النسائي في الأحباس عن إسحاق بن إبراهيم به ، وعن هارون بن عبد الله ، وعن محمد بن المصفى بن بهلول . قوله : ( يستأمره ) ، أي : يستشيره . قوله : ( أصبت أرضا بخيبر ) واسم تلك الأرض ثمغ بفتح الثاء المثلثة ، وسكون الميم ، وبالغين المعجمة .

قوله : ( أنفس عندي منه ) ، أي : أجود ، وأعجب منه ، قوله : ( وفي القربى ) القرابة في الرحم ، وهو في الأصل مصدر ، تقول : بيني وبينه قرابة وقرب ، وقربى ، ومقربة ، وقربة ، وقربة بضم الراء ، وسكونها . قوله : ( وفي الرقاب ) ، أي : في فك الرقاب ، وهم المكاتبون يدفع إليهم شيء من الوقف تفك به رقابهم ، وكذلك لهم نصيب في الزكاة . قوله : ( وفي سبيل الله ) هو منقطع الحاج ، ومنقطع الغزاة .

قوله : ( وابن السبيل ) ، وهو الذي له مال في بلد لا يصل إليها ، وهو فقير . قوله : ( والضيف ) من عطف الخاص على العام . قوله : ( لا جناح ) ، أي : لا إثم على من وليها ، أي : من ولي التحدث على تلك الأرض أن يأكل منها ، أي : من ريعها بالمعروف ، أي : بحسب ما يحتمل ريع الوقف على الوجه المعتاد .

قوله : ( ويطعم ) بالنصب عطف على أن يأكل . قوله : ( غير متمول ) حال من قوله : ( من وليها ) ، أي : أكله وإطعامه لا يكون على وجه التمول ، بل لا يتجاوز المعتاد . قوله : ( فحدثت به ابن سيرين ) أي ، قال ابن عون : فحدثت بهذا الحديث محمد بن سيرين ، فقال : غير متأثل مالا ، أي : غير جامع مالا ، يقال : مال مؤثل بالثاء المثلثة المشددة ، أي : مجموع ذو أصل ، وأثلة الشيء أصله .

( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج به الجمهور ، وأبو يوسف ، ومحمد على جواز الوقف ، ولا خلاف بينهم في جواز الوقف في حق وجوب التصدق بما يحصل من الوقف ما دام الواقف حيا حتى أن من وقف داره ، أو أرضه يلزمه التصدق بغلة الدار ، والأرض ، ويكون ذلك بمنزلة النذر بالغلة ، ولا خلاف أيضا في جوازه في حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به قضاء القاضي ، أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال : إذا مت فقد جعلت داري ، أو أرضي وقفا على كذا ، أو قال : هو وقف في حياتي صدقة بعد وفاتي ، واختلفوا في جوازه مزيلا لملك الرقبة إذا لم توجد الإضافة إلى ما بعد الموت ، ولا اتصل به حكم حاكم ، فقال أبو حنيفة : لا يجوز حتى كان للواقف بيع الموقوف وهبته ، وإذا مات يصير ميراثا لورثته ، وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والجمهور : يجوز حتى لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يورث ، وفيه أن الوقف مشروع ، خلافا للقاضي شريح ، وفيه أن الوقف لا يجوز بيعه ، ولا هبته ، ولا يصير ميراثا ؛ لأنه صار لله تعالى ، وخرج عن ملك الواقف ، واختلفوا هل يدخل في ملك الموقوف عليه أم لا ، فقال أصحابنا : لا يدخل لكنه ينتفع بغلته بالتصدق عليه ؛ لأن الوقف حبس الأصل وتصدق بالفرع ، والحبس لا يوجب ملك المحبوس ، وعن الشافعي ، ومالك ، وأحمد : ينتقل إلى ملك الموقوف عليه لو كان أهلا له ، وعن الشافعي في قول ينتقل إلى الله تعالى ، وهو رواية عن أصحابنا ، وعن الشافعي : أن الملك في رقبة الوقف لله تعالى ، وذكر صاحب ( التحرير ) أنه إذا كان الوقف على شخص وقلنا الملك للموقوف عليه افتقر إلى قبضه كالهبة ، وقال النووي في ( الروضة ) هذا غلط ظاهر ، وفيه أن الوقف بلفظ حبست ، بل الأصل هذه اللفظة ؛ لأن الوقف في اللغة الحبس ، وفي ( الروضة ) لا يصح الوقف إلا بلفظ . فلو بني على هيئة المساجد ، أو على غير هيئتها ، وأذن في الصلاة فيه لم يصر مسجدا ، وألفاظه على مراتب ، إحداها قوله : وقفت كذا ، أو حبست ، أو سبلت ، أو أرضي موقوفة ، أو محبسة ، أو مسبلة ، فكل لفظ من هذا صريح ، هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور ، وفي وجه هذا كله كناية ، وفي وجه الوقف صريح ، والباقي كناية ، الثانية قوله : حرمت هذه البقعة للمساكين ، أو أبدتها ، أو داري محرمة ، أو مؤبدة كناية على المذهب ، الثالثة : تصدقت بهذه البقعة ليس بصريح ، فإن زاد معه صدقة محرمة ، أو محبسة ، أو موقوفة التحق بالصريح ، وقيل : لا بد من التقييد بأنه لا يباع ، ولا يوهب ، وقالت الحنابلة : يصح الوقف بالقول ، وفي الفعل الدال عليه روايتان ، وإن كان الوقف على آدمي معين افتقر إلى قبوله كالوصية ، والهبة ، وقال القاضي منهم : لا يفتقر إلى قبوله كالعتق ، وفيه أن قيم الوقف له أن يتناول من غلة الوقف بالمعروف ، ولا يأخذ أكثر من حاجته ، هذا إذا لم يعين الواقف له شيئا معينا ، فإذا عينه له أن يأخذ ذلك قليلا ، أو كثيرا ، وفيه صحة شروط الوقف ، وفيه فضيلة ظاهرة لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وفيه مشاورة أهل الفضل ، والصلاح في الأمور وطرق الخير ، وفيه أن خيبر فتحت عنوة ، وأن الغانمين ملكوها واقتسموها ، واستقرت أملاكهم على حصصهم ، ونفذت تصرفاتهم فيها ، وفيه فضيلة صلة الأرحام ، والوقف عليهم ، وفيه أن الواقف إذا أخرجه من يده إلى متولي النظر فيه يجعله في صنف ، أو أصناف مختلفة ، إلا إذا عين الواقف الأصناف ، وفيه ما كان نظير الأرض التي حبسها عمر رضي الله تعالى عنه كالدور ، والعقارات يجوز وقفها ، واحتج أبو حنيفة فيما ذهب إليه بقول شريح لا حبس عن فرائض الله تعالى ، أخرجه الطحاوي عن سليمان بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، عن عطاء بن السائب عنه ، ورجاله ثقات ، وأخرجه البيهقي في ( سننه ) بأتم منه ، ومعناه لا يوقف مال ، ولا يزوى عن ورثته ، ولا يمنع عن القسمة بينهم ، ويؤيد هذا ما رواه الطحاوي أيضا من حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعدما أنزلت سورة النساء ، وأنزل فيها الفرائض نهى عن الحبس ، وأخرجه البيهقي أيضا ، وقال : وفي سنده ابن لهيعة ، وأخوه عيسى ، وهما ضعيفان ، ( قلت ) : ما لابن لهيعة ، وقد قال ابن وهب : كان ابن لهيعة صادقا ، وقال في موضع آخر : وحدثني الصادق البار ، والله ابن لهيعة ، وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة ، وعنه من مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه ، ولهذا حدث عنه أحمد في ( مسنده ) بحديث كثير ، وأما أخوه عيسى ، فإن ابن حبان ذكره في ( الثقات ) ، وقال الطحاوي : هذا شريح ، وهو قاضي عمر ، وعثمان ، وعلي الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم قد روى عنه هذا ، ووافق أبا حنيفة في هذا عطاء بن السائب ، وأبو بكر بن محمد ، وزفر بن الهذيل ، ( فإن قلت ) : ما تقول في وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي أوقاف الصحابة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( قلت ) : أما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنما جاز ؛ لأن المانع وقوعه حبسا عن فرائض الله ، ووقفه عليه الصلاة والسلام لم يقع حبسا عن فرائض الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) ، وأما أوقاف الصحابة بعد موته صلى الله عليه وسلم فاحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة ، هذا هو الظاهر ، ( فإن قلت ) : قال البيهقي : ولو صح هذا الخبر لكان منسوخا ، ( قلت ) : النسخ لا يثبت إلا بدليل ، ولم يبين دليله في ذلك ، فمجرد الدعوى غير صحيح ، والجواب عن حديث الباب أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ) لا يستلزم إخراجها عن ملكه ، ولكنها تكون جارية على ما أجراها عليه من ذلك ما تركها ، ويكون له فسخ ذلك متى شاء ، ويؤيد هذا ما رواه الطحاوي ، وقال : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره عن زياد بن سعد ، عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : إني لولا ذكرت صدقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو نحو هذا لرددتها ، فلما قال عمر هذا دل أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها ، وإنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره فيها بشيء ، وفارقه على الوفاء به ، فكره أن يرجع عن ذلك كما كره عبد الله بن عمرو أن يرجع بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصوم الذي كان فارقه عليه أنه يفعله ، وقد كان له أن لا يصوم ، ( فإن قلت ) : قال ابن حزم : هذا الخبر منكر وبلية من البلايا ، وكذب بلا شك ، ( قلت ) : قوله هذا بلية ، وكذب ، وتهافت عظيم ، وكيف يقول هذا القول السخيف ، والحال أن رجاله علماء ثقات ، فيونس من رجال مسلم ، والبقية من رجال ( الصحيح ) على ما لا يخفى ، والله أعلم بحقيقة الحال .

ورد في أحاديث10 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث