title: 'حديث: باب تأويل قول الله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ د… | عمدة القاري شرح صحيح البخاري' canonical: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/396463' url: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/396463' content_type: 'hadith' hadith_id: 396463 book_id: 43 book_slug: 'b-43'

حديث: باب تأويل قول الله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ د… | عمدة القاري شرح صحيح البخاري

نص الحديث

باب تأويل قول الله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ أي هذا باب في بيان تأويل قول الله عز وجل في أنه قدم الوصية في الذكر على الدين ، مع أن الدين مقدم على الوصية ، وغيرها ، هكذا قالوا ، حتى قال بعضهم : وبهذا يظهر السر في تكرار هذه الترجمة ، ( قلت ) : قدم الله تعالى الوصية على الدين في قوله : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ الآية في موضعين وقدمها أيضا في الآية التي قبلها ، وهو قوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ وينبغي أن يسأل عن وجه تقديم الوصية على الدين في هذه المواضع ، ولا يتجه هذا إلا بترجمة غير هذا ، ولا وجه لذكر التأويل هنا ؛ لأن حد التأويل لا يصدق عليه ؛ لأن التأويل ما يستخرج بحسب القواعد العربية ، وبعض الآية التي هي ترجمة مفسرة ، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأويل ، غاية ما في الباب أنه يسأل عما ذكرناه الآن ، وذكروا فيه وجوها ، فقال السهيلي : قدمت الوصية على الدين في الذكر ؛ لأنها إنما تقع على سبيل البر ، والصلة ، بخلاف الدين ؛ لأنه يقع قهرا ، فكانت الوصية أفضل ، فاستحقت البداية ، وقيل : الوصية تؤخذ بغير عوض بخلاف الدين ، فكانت أشق على الورثة من الدين ، وفيها مظنة التفريط ، فكانت أهم فقدمت ، وقيل : هي إنشاء الموصي من قبل نفسه فقدمت تحريضا على العمل بها ، وقيل : هي حظ فقير ، ومسكين غالبا ، والدين حظ غريم يطلبه بقوة ، وله مقال . ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية . هذا الذي ذكره بصيغة التمريض طرف من حديث أخرجه الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق الهمداني عن الحارث ، عن علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية ، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين ، وأخرجه أحمد أيضا ، ولفظه : عن علي بن أبي طالب ، قال : قضى محمد صلى الله عليه وسلم : ( أن الدين قبل الوصية ) الحديث ، وهذا إسناده ضعيف ؛ لأن الحارث هو ابن عبد الله الأعور ، قال ابن أبي خيثمة : سمعت أبي يقول : الحارث الأعور كذاب ، وقال أبو زرعة : لا يحتج بحديثه ، وقال ابن المديني : الحارث كذاب ، ( فإن قلت ) : ليست من عادة البخاري أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به ، ( قلت ) : بلى ، ولكن لما رأى أن العلماء عملوا به كما قال الترمذي عقيب الحديث المذكور ، والعمل عليه عند أهل العلم اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه . وقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا فأداء الأمانة أحق من تطوع الوصية . وقوله بالجر عطفا على قول الله تعالى المجرور بإضافة التأويل إليه ، وذكر هذه الآية في معرض الاحتجاج في جواز إقرار المريض للوارث ، وهذا بمعزل عن ذلك على ما لا يخفى على أحد ، والآية نزلت في عثمان بن طلحة ، قبض النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مفتاح الكعبة فدخل الكعبة يوم الفتح ، فخرج وهو يتلو هذه الآية ، فدفع إليه المفتاح ، ذكره الواحدي في ( أسباب النزول ) عن مجاهد . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا صدقة إلا عن ظهر غنى . أورد هذا أيضا في معرض الاحتجاج في جواز الإقرار للوارث ، قال الكرماني : والمديون ليس بغني ، فالوصية التي لها حكم الصدقة تعتبر بعد الدين ، وأراد بتأويل الآية مثله . انتهى . ( قلت ) : قوله : المديون ليس بغني على إطلاقه لا يصح ، والمديون الذي ليس بغني هو المديون المستغرق ، وجعل مطلق المديون أصلا ، ثم بناء الحكم عليه فيما ذهب إليه غير صحيح ، وهذا التعليق مضى مسندا في كتاب الزكاة في باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى ، ومضى الكلام فيه . وقال ابن عباس : لا يوصي العبد إلا بإذن أهله . ذكر هذا أيضا في معرض الاحتجاج ، وفيه نظر ، قال الكرماني : قوله : ( بإذن أهله ، وأداء الدين الواجب عليه ) ، ( قلت ) : ينبغي أن تكون هذه المسألة على التفصيل ، وهو أن العبد لا يخلو إما أن يكون مأذونا له في التصرفات ، أو لا ، فإن لم يكن ، فلا تصح وصيته بلا خلاف ؛ لأنه لا يملك شيئا فبماذا يوصي ، وإن كان مأذونا له تصح وصيته بإذن الولي إذا لم يكن مستغرقا بالدين ، وعلى كل حال الاستدلال بأثر ابن عباس فيما ذهب إليه لا يتم ، وفيه نظر لا يخفى ، ورواه ابن أبي شيبة ، عن أبي الأحوص ، عن شبيب بن فرقد ، عن جندب ، قال : سأل طهمان ابن عباس : أيوصي العبد ، قال : لا ، إلا بإذن أهله . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : العبد راع في مال سيده . قيل لما تعارض في مال العبد حقه وحق سيده قدم الأقوى ، وهو حق السيد ، وجعل العبد مولى عنه ، وهو أحد الحفظة فيه ، فكذلك حق الدين لما عارضه حق الوصية ، والدين واجب ، والوصية تطوع ، وجب تقديم الدين ، فهذا وجه مناسبة هذا الأثر ، والحديث للترجمة . انتهى . ( قلت ) : العبد لا يملك شيئا أصلا ، فكيف يثبت له المال ، ثم كيف تثبت المعارضة بين حقه وحق سيده ، ولا ثمة حق للعبد ، وقوله : فكذلك حق الدين لما عارضه حق الوصية إلى آخره ممنوع ؛ لأنه هو يمنع كلامه بقوله : والدين واجب ، والوصية تطوع ، فكيف تتوجه المعارضة بين الواجب ، والتطوع ، ومع هذا ، فإن كان مراد البخاري بهذا وجوب تقديم الدين على الوصية ، فهذا لا نزاع فيه ، وإن كان مراده جواز إقرار المريض للوارث ، فلا يساعده شيء مما ذكره في هذا الباب ، والحديث الذي علقه ذكره مسندا في كتاب العتق في باب كراهية التطاول على الرقيق . 13 - حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا الأوزاعي ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاني ، ثم سألته ، فأعطاني ، ثم قال لي : يا حكيم ، إن هذا المال خضر حلو ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ، ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، قال حكيم : فقلت : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا ، فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا ، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فيأبى أن يقبله ، فقال : يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه ، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رحمه الله . قيل وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب من جهة أنه صلى الله عليه وسلم زهده في قبول العطية ، وجعل يد الآخذ سفلى تنفيرا عن قبولها ، ولم يقع مثل ذلك في تقاضي الدين ؛ لأن يد آخذ الدين ليست سفلى لاستحقاق أخذه جبرا ، فالدين أقوى ، فيجب تقديمه ، وقال الكرماني : ووجه آخر ، وهو أن عمر رضي الله تعالى عنه اجتهد في توفيته حقه من بيت المال ، وخلاصه منه ، وشبهه بالدين لكونه حقا بالجملة ، فكيف إذا كان دينا متعينا ، فإنه يجب تقديمه على التبرعات ، ( قلت ) : ولو تكلفوا غاية ما يكون بأن يذكروا وجه المطابقة بين أحاديث هذا الباب وبين الترجمة ، فإن فيه تعسفا شديدا يظهر ذلك لمن يتأمله كما ينبغي ، والحديث تقدم في كتاب الزكاة في باب الاستعفاف في المسألة . قوله : ( لا أرزأ ) بتقديم الراء على الزاي ، أي : لا آخذ من أحد شيئا بعدك .

المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري

روابط ذات صلة


المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/396463

© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة