باب الشجاعة في الحرب والجبن
حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم ، أن محمد بن جبير ، قال : أخبرني جبير بن مطعم ، أنه بينما هو يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفله من حنين ، فعلقه الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أعطوني ردائي ، لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا . مطابقته للترجمة في قوله : ثم لا تجدوني إلى آخره ، وأبو اليمان : الحكم بن نافع . وعمر بن محمد بن جبير ، بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، ابن مطعم ، بلفظ اسم الفاعل من الإطعام ، النوفلي القرشي ، قال الكرماني : وكثيرا يروي الزهري عن محمد بدون واسطة عمر ، قلت : لم يرو عن عمر بن محمد بن جبير غير الزهري ، وقد وثقه النسائي ، وفيه رد على من زعم أن شرط البخاري أن لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين عن أقل من اثنني ، فإن هذا الحديث ما رواه عن محمد بن جبير غير ولده ثم ما رواه عن عمر غير الزهري ، هذا مع تفرد الزهري بالرواية عن عمر مطلقا ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الخمس عن عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم .
قوله : ومعه الناس حال ، أي : ومع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، قوله : مقفله أي : زمان قفوله ، أي : رجوعه ، وهو بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء . قوله : من حنين هو واد بين مكة والطائف ، وذلك في سنة ثمان . قوله : فعلقه الناس بفتح العين المهملة وتخفيف اللام المكسورة بعدها قاف ، أي : فتعلقوا به ، وفي رواية الكشميهني فطفقت وهو بمعناه .
قوله : يسألونه حال . قوله : حتى اضطروه أي : ألجئوه إلى سمرة ، وهي واحدة السمر ، وهي شجر طوال متفرق الرؤوس قليل الظل صغار الورق قصار الشوك جيد الخشب ، وله نوار أصفر وصمغ أبيض قليل المنفعة ، ويخرج من السمرة شيء يشبه الدم ، يقال : حاضت السمرة إذا خرج منها ذلك . قوله : العضاه بكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة وفي آخره هاء ، يقرؤ في الوصل والوقف بالهاء ، وهو كل شجر عظيم له شوك ، وواحد العضاه عضاهة وعضهة وعضة ، حذفوا منها الأصلية كما حذفت في شفة ثم ردت في عضاه كما ردت في شفاه ، وتصغر على عضيهة وينسب إليها فيقال بعير عضهي للذي يرعاها ، وبعير عضاهي وإبل عضاهية ، وقال ابن التين : ويقرؤ بالهاء وقفا ووصلا ، وهو شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر ، وقال الجوهري : هو على ضربين خالص كالعرف والطلح والسلم والسيال والسمر والقتاد والغرب ، وغير خالص كالشوحط والنبع والشريان والسراء والقشم .
قوله : نعما بفتح النون والعين ، وفي رواية أبي ذر نعم بالرفع ، وجه الرفع أنه اسم كان ، وقوله : في عدد خبره ، ووجه النصب أنه تمييز وكان تكون تامة ، والنعم الإبل خاصة ، كذا قاله أكثر أهل التفسير . وقال أبو جعفر النحاس : قيل النعم الإبل والبقر والغنم ، وإن انفردت الإبل يقال لها نعم ، وإن انفردت البقر والغنم لا يقال لها نعم . واختلف في الأنعام فقيل هي جمع نعم ، فيكون للإبل خاصة ، وقيل إذا قلت : أنعام ، دخل تحته البقر والغنم .
وقال الجوهري : النعم واحد الأنعام ، وهي المال الراعية . قال الفراء : هو ذكر لا يؤنث ، يقولون : هذا نعم وارد ، ويجمع على نعمان ، مثل حمل وحملان . والأنعام تذكر وتؤنث ، قال الله تعالى في موضع : مِمَّا فِي بُطُونِهِ وفي موضع مِمَّا فِي بُطُونِهَا وجمع الجمع أناعيم .
قوله : ثم لا تجدوني ويروى لا تجدونني على الأصل ، فيه أنه لا بأس للرجل الفاضل أن يخبر عن نفسه بما فيه من الخلال الشريفة عندما يخاف سوء ظن أهل الجاهلية . قوله : بخيلا قال الفراء : البخيل الشحيح . وقال ابن مسعود : البخيل أن لا يعطي شيئا ، والشحيح أخذه مال أخيه بغير حق .
وقال طاوس : البخيل أن يبخل مما في يده ، والشحيح أن يشح بما في أيدي الناس ، يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحلال والحرام . وقيل : البخل في اللغة دون الشح ، والشح أشد منه ، يقال : بخل يبخل بخلا وبخلا وقيل : البخل أن يضن الإنسان بماله أن يبذله في المكارم أو اللوازم . قوله : ولا كذوبا ، من كذب كذبا وكذبا وهو خلاف الصدق ، فهو كاذب وكذاب وكذوب وكيذبان ومكذبان ومكذبانة ، وكذبة مثال همزة ، وكذبذب مخففا وقد يشدد .
قوله : وجبانا صفة مشبهة من الجبن ، وهو ضد الشجاعة ، لا يقال لا يلزم من نفي الكذوبية نفي الكذب ، ولا من نفي البخيلية نفي البخل ، ولا من نفي الجبان نفي نفس الجبن ، لأنا نقول قد تجيء هذه الأوزان بمعنى ذي كذا ، كما في قوله تعالى : وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ والتقدير : وما ربك بذي ظلم ، لأن نفي الظلامية لا ينفي نفس الظلم ، وكذلك هاهنا ، فيؤل المعنى إلى نفي هذه الأشياء بالكلية ، ثم اقتران الكذب مع الجبان مع أن مقتضى المقام نفي البخل فقط هو إشارة إلى أنه يقول : لا أكذب في نفي البخل عني لأن نفي البخل عني ليس من خوفي منكم ، وهذا من جوامع الكلم ، إذ أصول الأخلاق الحكمة والكرم والشجاعة ، وأشار بعدم الكذب إلى كمال القوة العقلية ، أي : الحكمة ، وبعدم الجبن إلى كمال القوة الغضبية ، أي : الشجاعة ، وبعدم البخل إلى كمال القوة الشهوية ، أي : الجود ، وهذه الثلاث هي أمهات فواضل الأخلاق ، والأول هو مرتبة الصديقين والثاني هو مرتبة الشهداء والثالث هو مرتبة الصالحين ، اللهم اجعلنا منهم .