باب فضل الصوم في سبيل الله
حدثنا إسحاق بن نصر قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني يحيى بن سعيد وسهيل بن أبي صالح أنهما سمعا النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وإسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي النجاري ، وكان ينزل بالمدينة بباب بني سعد ، يروي عنه البخاري في غير موضع من كتابه ، مرة يقول : إسحاق بن نصر فينسبه إلى جده ، ومرة يقول : إسحاق بن إبراهيم بن نصر فينسبه إلى أبيه ، وعبد الرزاق بن همام ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وسهيل بن أبي صالح لم يخرج له البخاري موصولا إلا هذا ، ولم يحتج به ، ولهذا قرنه بيحيى بن سعيد ، وقد اختلف في إسناده على سهيل فرواه الأكثرون عنه هكذا ، وخالفهم شعبة فرواه عنه عن صفوان بن يزيد عن أبي سعيد ، أخرجه النسائي والنعمان بن أبي عياش ، بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة واسمه زيد بن الصلت ، وقيل : زيد بن النعمان الزرقي الأنصاري ، وعن يحيى ثقة ، وقال ابن حبان كذلك ، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك الأنصاري . وأخرجه مسلم في الصوم عن إسحاق بن منصور وعبد الرحمن بن بشير ، وعن قتيبة ، وعن محمد بن رمح ، وأخرجه الترمذي في الجهاد عن سعيد بن عبد الرحمن ، وعن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي في الصوم عن مؤمل بن شهاب ، وعن الحسن بن قزعة ، وعن محمد بن عبد الله ، وعن عبد الله بن منير ، وعن أحمد بن حرب وعبد الله بن أحمد بن حنبل ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح .
قوله : بعد الله وجهه وأول النووي وغيره المباعدة من النار على المعافاة منها دون أن يكون المراد البعد بهذه المسافة المذكورة في الحديث . قلت : لا مانع من الحقيقة على ما لا يخفى ، ثم هذا يقتضي إبعاد النار عن وجه الصائم ، وفي أكثر الطرق إبعاد الصائم نفسه فإذا كان المراد من الوجه الذات ، كما في قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ يكون معناهما واحدا ، وإن كان المراد حقيقة الوجه يكون الإبعاد من الوجه فقط ، وليس فيه أن يبقى الجسد أن يناله النار إلا أن الوجه كان أبعد من النار من سائر جسده ، وذلك لأن الصيام يحصل منه الظمأ ومحله الفم ؛ لأن الري يحصل بالشرب في الفم ، قوله : سبعين خريفا أي : سنة ، ولأن السنة تستلزم الخريف فهو من باب الكناية . واختلفت الروايات في مقدار المباعدة من النار ، ففي حديث عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرجه النسائي : من صام يوما في سبيل الله باعد الله منه جهنم مائة عام ، وفي حديث عمرو بن عنبسة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرجه الطبراني في ( الكبير ) كذلك مائة عام ، وكذا في حديث عبد الله بن سفيان أخرجه الطبراني أيضا ، وفي حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرجه ابن عدي في ( الكامل ) من صام يوما في سبيل الله تباعدت عنه جهنم مسيرة خمسمائة عام .
وفي حديث أبي أمامة أخرجه الترمذي وتفرد به عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض ، وكذا رواه الطبراني في ( الصغير ) عن أبي الدرداء ، وكذا رواه عن جابر ، وفي رواية ابن عساكر أبعده الله من النار مسيرة مائة سنة حضر الجواد . وفي حديث عتبة بن النذر أخرجه الطبراني أيضا قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من صام يوما في سبيل الله فريضة باعد الله منه جهنم كما بين السماوات والأرضين السبع ، ومن صام يوما تطوعا باعد الله منه جهنم ما بين السماء والأرض ، وفي حديث سلامة بن قيصر أخرجه الطبراني أيضا في ( الكبير ) قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من صام يوما ابتغاء وجه الله بعده الله من جهنم بعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما . وفي حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي أنه قال : من صام يوما في سبيل الله زحزحه الله عن النار سبعين خريفا ، أحدهما ، أي أحد الرواة يقول : سبعين خريفا ، والآخر يقول : أربعين ، وقال الترمذي هذا حديث غريب ، وفي حديث سهل بن معاذ عن أبيه أخرجه أبو يعلى الموصلي من صام يوما في سبيل الله متطوعا في غير رمضان بعد من النار مائة عام سير المضمر المجيد ، وفي حديث ابن عساكر عن ابن عمر من صام يوما في سبيل الله متطوعا فهو بسبعمائة يوم .
فإن قلت : ما التوفيق بين هذه الروايات . قلت : الأصل أن يرجح ما طريقته صحيحة وأصحها رواية سبعين خريفا ، فإنها متفق عليها من حديث أبي سعيد ، وجواب آخر : أن الله أعلم نبيه - صلى الله عليه وسلم - أولا بأقل المسافاة في الإبعاد ، ثم أعلمه بعد ذلك بالزيادة على التدريج في مراتب الزيادة ، ويحتمل أن يكون ذلك بحسب اختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه والله أعلم .