باب هل يبعث الطليعة وحده
حدثنا صدقة قال : أخبرنا ابن عيينة قال : حدثنا ابن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس قال صدقة : أظنه يوم الخندق فانتدب الزبير ، ثم ندب فانتدب الزبير ، ثم ندب الناس فانتدب الزبير ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن لكل نبي حواريا ، وإن حواري الزبير بن العوام . هذا هو الحديث الذي مضى في الباب السابق غير أنه رواه هناك عن أبي نعيم عن سفيان الثوري ، وهنا رواه عن صدقة بن الفضل عن سفيان بن عيينة وأيضا هنا ترجم عليه في جواز إرسال الطليعة وحده ، قوله : ندب الناس يقال : ندبه لأمر فانتدب له ، أي : دعاه له فأجابه ، قوله : أظنه أي : قال صدقة شيخ البخاري : أظن أن الندب يوم الخندق ، ورواه الحميدي عن ابن عيينة ، فقال فيه يوم الخندق من غير شك . وفيه شجاعة الزبير وتقدمته وفضله ، وقال الداودي : ولا أعلم رجلا جمع له النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبويه إلا الزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص كان يقول له : ارم فداك أبي وأمي ، وإنما كان يقول لغيرهما : ارم فداك أبي أو فدتك أمي ، وهي كلمة تقال للتبجيل ليس على الدعاء ولا على الخبر ، وقال ابن بطال : زعم بعض المعتزلة أن بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - الزبير وحده معارض لقوله - صلى الله عليه وسلم - الراكب شيطان ونهى أيضا عن أن يسافر الرجل وحده ، قال المهلب : وليس بينهما تعارض لاختلاف المعنى في الحديثين ، وهو أن الذي يسافر وحده لا يأنس بأحد ، ولا يقطع طريقه بمحدث يهون عليه مؤنة السفر ، كالشيطان الذي لا يأنس بأحد ، ويطلب الوحدة ليغويه ، وأما سفر الزبير فليس كذلك ؛ لأنه كان كالجاسوس يتجسس على قريش ما يريدون من حرب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا يناسبه إلا الوحدة على أنه خرج في مثل هذا الأمر الخطير لحماية الدين وإظهار طاعة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولم يزل كان عليه حفظ من الله تعالى ببركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فأين هذا من ذلك ، ألا يرى أن عمر - رضي الله تعالى عنه - لما بلغه أن سعدا بنى قصرا أرسل شخصا وحده ليهدمه وذكر ابن أبي عاصم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل عبد الله بن أنس سرية وحده ، وبعث عمرو بن أمية وحده عينا ، وذكر ابن سعد أنه - صلى الله عليه وسلم - أرسل سالم بن عمير سرية وحده ، وحمل الطبري الحديث على جواز السفر للرجل الواحد إذا كان لا يهوله هول ، وإلا فممنوع من السفر وحده خشية على عقله أو يموت فلا يدري خبره أحد ولا يشهده أحد كما قال عمر - رضي الله تعالى عنه - : أرأيتم إذا سافر وحده فمات من أسأل عنه ؟ قال : ويحتمل أن يكون النهي عن السفر وحده نهي تأديب وإرشاد إلى ما هو الأولى ، وقال ابن التين : وحمله الشيخ أبو محمد على السفر الذي يقصر فيه الصلاة .