باب من قاد دابة غيره في الحرب
حدثنا قتيبة قال : حدثنا سهل بن يوسف عن شعبة عن أبي إسحاق قال رجل للبراء بن عازب رضي الله عنهما : أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ؟ قال : لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر ، إن هوازن كانوا قوما رماة ، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا ، فأقبل المسلمون على الغنائم واستقبلونا بالسهام ، فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يفر ، فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء ، وإن أبا سفيان آخذ بلجامها ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : . أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب . مطابقته للترجمة في قوله : وأبو سفيان آخذ بلجامها وسهل بن يوسف الأنماطي البصري ، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، وأخرجه مسلم أيضا .
قوله : رجل للبراء وفي رواية قال للبراء رجل من قيس ، قوله : أفررتم الهمزة فيه للاستفهام على وجه الاستخبار ، قوله : يوم حنين قال الواقدي : حنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف ، وقال البكري : بضعة عشر ميلا ، والأغلب فيه التذكير ؛ لأنه اسم ماء ، وربما أنثت العرب جعلته اسما للبقعة ، وهو وراء عرفات سمي بحنين بن قانية بن مهلايل ، وقال الزمخشري : هو إلى جنب ذي المجاز وكانت سنة ثمان ، وسببها أنه لما أجمع - صلى الله تعالى عليه وسلم - على الخروج إلى مكة لنصرة خزاعة أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم فاستعدوا للحرب حتى أتوا سوق ذي المجاز ، فسار - صلى الله عليه وسلم - حتى أشرف على وادي حنين مساء ليلة الأحد ، ثم صالحهم يوم الأحد نصف شوال . قوله : لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر هذا هو المعلوم من حاله وحال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لإقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله عز وجل ورغبتهم في الشهادة ، وفي لقاء الله عز وجل ، ولم يثبت عن واحد منهم والعياذ بالله أنه فر ، ومن قال ذلك قتل ، ولم يستتب ؛ لأنه صار بمنزلة من قال : إنه - صلى الله عليه وسلم - كان أسود أو أعجميا لإنكاره ما علم من وصفه قطعا ، وذلك كفر ، قال القرطبي : وحكي عن بعض أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه - صلى الله عليه وسلم - نقصا أو عيبا ، وقيل : يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، قال ابن بطال : لأنه كافر إن لم يتأول ويعذر بتأويله ، وقال النووي : والذين فروا يومئذ إنما فتحه عليهم من كان في قلبه مرض من مسلمة الفتح المؤلفة ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا ، والذين خرجوا لأجل الغنيمة ، وإنما كانت هزيمتهم فجاءة ، قوله : إن هوازن هم قبيلة من قيس . فإن قلت : هذا الاستدراك مماذا ؟ قلت : تقديره : نحن فررنا ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر ، وحذف لقصدهم عدم التصريح بفرارهم ، وكذلك التقدير في قوله : فأما رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلم يفر تقديره : أما نحن فقد فررنا ، وأما رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلم يفر ، قوله : رماة جمع رام ، قوله : واستقبلونا ويروى فاستقبلونا بالفاء .
قوله : على بغلته البيضاء واختلف في هذه البغلة ، ففي مسلم كانت بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة ، وفي لفظ كانت شهباء ، وفي رواية ابن سعد : كان راكبا دلدل التي أهداها له المقوقس ، فيحتمل أن يكون ركبهما يومئذ نزل عن واحدة وركب الأخرى ، وركوبه يومئذ البغلة هو النهاية في الشجاعة والثبات ، لا سيما في نزوله عنها ، ومما يدل على شجاعته تقدمه يركض على البغلة إلى جمع المشركين حين فر الناس وليس معه غير اثني عشر نفرا ، وكان العباس وأبو سفيان آخذين بلجام البغلة يكفانها عن الإسراع به إلى العدو ، وأبو سفيان هو ابن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخوه من الرضاعة قيل : اسمه كنيته ، وقيل : اسمه المغيرة ، وكان من فضلاء الصحابة مات بالمدينة سنة عشرين ، قوله : والنبي يقول الواو فيه للحال . وقوله : أنا النبي لا كذب زعم ابن التين أن بعض أهل العلم كان يرويه لا كذب ، بنصب الباء ؛ ليخرجه عن أن يكون موزونا ، وفيه إثبات لنبوته - صلى الله عليه وسلم - ، كأنه قال : أنا ليس بكاذب فيما أقول ، فيجوز على الانهزام ، وانتسابه إلى جده لرؤيا كان عبد المطلب رآها دالة على نبوته مشهورة عند العرب ، وعبرها له سيف بن ذي يزن فيما ذكره ابن ظفر . قلت : قصته أن عبد المطلب لما وفد على سيف بن ذي يزن في جماعة من قريش أخبر سيف أن يكون في ولده نبي ، وكان ذلك مما يناقله أهل اليمن كابرا عن كابر إلى أن بلغ سيفا ، وقيل : لأن شهرة جده كانت أكثر من شهرة أبيه ؛ لأنه توفي شابا في حياة أبيه .
وفيه جواز الانتماء في الحرب ، وإنما كره من ذلك ما كان على وجه الافتخار في غير الحرب ؛ لأنه رخص في الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غيرها . فإن قلت : الفرار من الزحف كبيرة ، فكيف بمن انهزم هنا ؟ قلت : قال الطبري : الفرار المتوعد عليه هو أن ينوي أن لا يعود إذا وجد قوة ، وأما من تحيز إلى فئة أو كان فراره لكثرة عدد العدو ونوى العود إذا أمكنه ليس داخلا في الوعيد ، ولهذا قال عز وجل في حق هؤلاء : ثُمَّ أَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وفيه جواز الأخذ بالشدة والتعرض للهلكة في سبيل الله ؛ لأن الناس فروا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يبق إلا اثني عشر رجلا ، وهم عتبة ومعتب ابني أبي لهب وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأبو بكر وعمر وعلي والفضل بن عباس وأسامة وقثم بن العباس وأيمن بن أم أيمن ، وقتل يومئذ ، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وأم سليم أم أنس بن مالك من النساء . وفيه ركوب البغال في الحرب للإمام ليكون أثبت له ، ولئلا يظن به الاستعداد للفرار والتولي ، وهو من باب السياسة لنفوس الأتباع ؛ لأنه إذا ثبت ثبت أتباعه ، وإذا رئي منه العزم على الثبات عزم عليه .
وفيه خدمة السلطان في الحرب ، وسياسة دوابه لأشراف الناس من قرابته وغيرهم .