باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال
حدثنا أبو معمر قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا عبد العزيز عن أنس - رضي الله عنه - قال : لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان ، أرى خدم سوقهما تنقزان القرب ، وقال غيره تنقلان القرب على متونهما ، ثم تفرغانه في أفواه القوم ، ثم ترجعان فتملآنها ، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم . قيل بوب البخاري على غزوهن وقتالهن ، وليس في الحديث أنهن قاتلن ، فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو ، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن للمداواة ولسقي الجرحى إلا وهن يدافعن عن أنفسهن ، وهو الغالب ، فأضاف إليهن القتال لذلك . قلت : كلا الوجهين جيد ، ويؤيد الوجه الأول ما رواه أبو داود في ( سننه ) من حديث حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - في غزوة خيبر ، الحديث ، وفيه فخرجن نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ومعنا دواء الجرح ، ونناول السهام ونسقي السويق ، فقال لهن خيرا حتى إذا فتح الله خيبر أسهم لنا ، كما أسهم للرجال الحديث ، فهذا فيه نناول السهام يعني للغزاة ، والمناول للغازي أجره مثل أجر الغازي ، كما للمناول السهم للرامي في غير الغزاة ، وأجر المناول في الغزاة بطريق الأولى .
ويؤيد الوجه الثاني ما رواه مسلم من حديث أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين فقالت : اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه ، فهذه أم سليم اتخذت عدة لقتل المشركين ، وعزمت على ذلك ، فصار حكمها حكم الرجال المقاتلين ، وذكر بعضهم حديث أبي داود المذكور وغيره مثله ، ثم قال ، : ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأنهن قاتلن ، انتهى . قلت : التلويح يغني عن التصريح ، فيحصل به المطابقة على الوجه الذي ذكرناه ، ثم قال هذا القائل : يحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبين أنهن لا يقاتلن ، وإن خرجن في الغزو ، فالتقدير بقوله : وقتالهن مع الرجال أي : هل هو سائغ أو إذا خرجن مع الرجال في الغزو ، ويقتصرن على ما ذكر من مداواة الجرحى ونحو ذلك ، انتهى . قلت : لم يكن غرض البخاري هذا الاحتمال البعيد أصلا ولا هذا التقدير الذي قدره ؛ لأنه خلاف ما يقتضيه التركيب ، فكيف يقول : هل هو سائغ ؛ بل هو واجب عليها الدفع إذا دنا منها العدو ، وكما في حديث أم سليم ، فافهم .
ذكر رجاله : وهم أربعة ، الأول : أبو معمر ، بفتح الميمين اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد ، الثاني : عبد الوارث بن سعيد ، الثالث : عبد العزيز بن صهيب أبو حمزة ، الرابع : أنس بن مالك . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن رجاله كلهم بصريون . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في فضل أبي طلحة ، وفي المغازي ، وأخرجه مسلم في المغازي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أبي معمر به .
ذكر معناه : قوله : وأم سليم هي أم أنس بن مالك ، قوله : لمشمرتان من التشمير يقال : شمر إزاره إذا رفعه ، وشمر عن ساقه ، وشمر في أمره ، أي : خفف ، وشمر للأمر ، أي : تهيأ له ، قوله : خدم سوقهما الخدم بفتح الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة الخلاخيل ، الواحد خدمة ، وقال ابن قرقول : وقد سمي موضعها من الساقين خدمة ، وجمعه خدام بالكسر ، ويقال : سمي الخلخال خدمة ؛ لأنه ربما كان من سيور مركب فيه الذهب والفضة ، والخدمة في الأصل السير ، والمخدم موضع الخلخال من الساق ، ويقال : أصله أن الخدمة سير عليها مثل الحلقة تشد في رسغ البعير ، ثم تشد إليها شرائح نعله ، فسمي الخلخال خدمة لذلك ، وقيل : الخدمة مخرج الرجل من السراويل ، والسوق بالضم جمع ساق . قوله : تنقزان من النقز بالنون والقاف والزاي ، وهو الوثب ، وقال الداودي : معناه يسرعان المشي كالهرولة ، وقال غيره : معناه الوثوب ، ونحوه في حديث ابن مسعود أنه كان يصلي الظهر والخلائق تنقز من الرمضاء ، أي : تثب ، يقال : نقز ينقز من باب نصر ينصر ، وقال الجوهري : نقز الظبي في عدوه ، ينقز نقزا ونقزانا ، أي : وثب ، والتنقيز التثويب ، وقال الخطابي : أحسب الرواية تزفران بدل تنقزان ، والزفر حمل القرب الثقال . قلت : مادته زاي وفاء وراء ، قال الجوهري : الزفر مصدر قولك زفر الحمل يزفره زفرا ، أي : حمله وأزفره أيضا ، والزفر بالكسر الجمل ، والجمع أزفار ، والزفر أيضا القربة ، ومنه قيل للإماء اللواتي يحملن القرب زوافر ، وقيل : الزفر البحر الفياض ، فعلى هذا كانت تملأ لهم القرب حتى تفيض .
قوله : القرب بكسر القاف جمع قربة ، وفي ( التلويح ) ضبط الشيوخ القرب بنصب الباء وهو مشكل ؛ لأن تنقزان لازم ووجهه أن يكون النصب بنزع الخافض ، أي : تنقزان بالقرب ، وأما على رواية تزفران وتنقلان فلا إشكال على ما لا يخفى . قيل : كان بعض الشيوخ يرفع القرب على الابتداء والخبر محذوف والتقدير القرب على متونها ، فتكون الجملة الاسمية في موضع الحال بلا واو ، وقيل : وجد في بعض الأصول تنقزان بضم التاء ، فعلى هذا يستقيم نصب القرب ، أي : تحركان القرب بشدة عدوهما ، فكانت القرب ترتفع وتنخفض مثل الوثب على ظهورهما . قوله : وقال غيره أي : قال البخاري ، قال غير أبي معمر عن عبد الوارث : تنقلان القرب من النقل باللام دون الزاي ، وهي رواية جعفر بن مهران عن عبد الوارث ، أخرجها الإسماعيلي ، قوله : ثم تفرغانه من الإفراغ بالغين المعجمة ، يقال : فرغ الماء بالكسر يفرغ فراغا مثل سمع سماعا ، أي : صب ، وأفرغته أنا ، أي : صببته .
فإن قلت : ما وجه قوله : أرى خدم سوقهما قلت : قال النووي : الرؤية للخدم لم يكن فيها نهي ؛ لأن يوم أحد كان قبل أمر النساء بالحجاب أو لأنه لم يقصد النظر إلى بعض الساق ، فهو محمول على أن تلك النظرة وقعت فجأة بغير قصد إليها ، قيل : قد تمسك بظاهره من يرى أن تلك المواضع ليست بعورة من المرأة ، وليس بصحيح . فوائد : اختلف في المرأة هل يسهم لها ؟ قال الأوزاعي : يسهم للنساء ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أسهم لهن بخيبر وأخذ المسلمون بذلك ، وبه قال ابن حبيب ، وقال الثوري والكوفيون والليث والشافعي : لا يسهم لهن ، ولكن يرضخ لهن ، محتجين بقول ابن عباس في ( صحيح مسلم ) لنجدة : كن النساء يجدين من الغنيمة ، ولم يضرب لهم بسهم . وذكر الترمذي أن بعض أهل العلم قال يسهم للذمي إذا شهد القتال مع المسلمين ، وروي عن الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه ، قال ابن المنذر : وهو قول الزهري والأوزاعي وإسحاق .
والمجنون المطبق لا يسهم له كالصبي ، وقيل : يسهم له ، والظاهر أنه لا يسهم له كالمفلوج اليابس . واختلفوا في الأعمى والمقعد وأقطع اليدين لاختلافهم هل يتمكن لهم نوع من أنواع القتال كإدارة الرأي إن كانوا من أهله ، وكقتال المقعد راكبا ، والأعمى يناول النبل ، ونحو ذلك ، ويكثرون السواد ، فمن رأى لمثل ذلك أثرا في استحقاق الغنيمة أسهم لهم . وأما الذي يخرج ، وبه مرض فعند المالكية فيه خلاف هل يسهم له أم لا ، فإن مرض بعد الإدراب ففيه خلاف ، الأكثرون يسهمون له ، ولم يختلفوا أن من مرض بعد القتال يسهم له ، وإن كان مرضه بعد حوز الغنيمة .
واختلف في التاجر والأجير على ثلاثة أقوال ، قيل : يسهم لهما إذا شهدا القتال مع الناس ، قاتلا أو لم يقاتلا ، وقيل : لا يسهم لهما مطلقا ، وقيل : إن قاتلا يسهم لهما وإلا فلا ، وعن مالك : لا يسهم للأجير والتاجر إلا أن يقاتلا ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وعن مالك : يسهم لكل حر قاتل ، وهو قول أحمد ، وقال الحسن بن حي : يسهم للأجير ، وروي مثل ذلك عن ابن سيرين والحسن في التاجر والأجير : يسهم لهما إذا حضرا القتال قاتلا أو لا ، وقال الأوزاعي وإسحاق لا : يسهم للعبد ولا للأجير المستأجر على خدمة القوم .