باب التحريض على الرمي
حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد قال : سمعت سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على نفر من أسلم ينتضلون ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ارموا بني إسماعيل ، فإن أباكم كان راميا ، ارموا وأنا مع بني فلان ، قال : فأمسك أحد الفريقين بأيديهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ما لكم لا ترمون ؟ قالوا : كيف نرمي وأنت معهم ؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ارموا فأنا معكم كلكم . مطابقته للترجمة في قوله : ارموا بني إسماعيل وفي قوله : ارموا في موضعين أيضا ، وفيه تحريض على الرمي أيضا . وحاتم بن إسماعيل أبو إسماعيل الكوفي ، سكن المدينة ، ويزيد من الزيادة ، ابن أبي عبيد مصغر عبد مولى سلمة بن الأكوع ، والأكوع اسمه سنان بن عبد الله الأسلمي .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن قتيبة ، وفي مناقب قريش عن مسدد . قوله : من أسلم أي : من بني أسلم القبيلة المشهورة ، وهي بلفظ أفعل التفضيل من السلامة ، قوله : ينتضلون بالضاد المعجمة ، أي : يترامون ، يقال : انتضل القوم إذا رموا للسبق والنضال ، قوله : ارموا بني إسماعيل أي : يا بني إسماعيل ، وحرف النداء محذوف ، وفي كتاب ابن مطير من حديث أبي العالية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بنفر يرمون ، فقال : رميا بني إسماعيل ، فإن أباكم كان راميا . وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم يرمون ، فقال : ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ، ارموا وأنا مع ابن الأدرع ، فأمسك القوم قسيهم ، قالوا : من كنت معه غلب ، قال : ارموا وأنا معكم كلكم ، انتهى ، واسم ابن الأدرع محجن ، قاله ابن عبد البر ، وحكى ابن منده أن اسمه سلمة ، قال : والأدرع لقب واسمه ذكوان ، والله أعلم .
قوله : فإن أباكم كان راميا وذكر ابن سعد من طريق ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، أخبرني بكر بن سوادة سمع علي بن رباح يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، وفي كتاب الزبير حدثني إبراهيم الحزامي حدثني عبد العزيز بن عمران عن معاوية بن صالح الحميري عن ثور عن مكحول قال - صلى الله عليه وسلم - : العرب كلها بنو إسماعيل إلا أربع قبائل السلف والأوزاع وحضرموت وثقيف ، ورواه صاعد في كتاب ( الفصوص ) تأليفه من حديث عبد العزيز بن عمران عن معاوية ، أخبرني مكحول عن مالك بن يخامر ، وله صحبة فذكره ، قوله : وأنا مع بني فلان قد مر في حديث أبي هريرة ، وأنا مع ابن الأدرع ، ووقع في رواية الطبراني : وأنا مع محجن بن الأدرع ، قوله : قالوا : كيف نرمي وأنت معهم من القائلين هذا نضلة الأسلمي ، ذكره ابن إسحاق في المغازي عن سفيان بن فروة الأسلمي عن أشياخ من قومه من الصحابة ، قال : بينا محجن بن الأدرع يناضل رجلا من أسلم يقال له : نضلة ، فذكر الحديث ، وفيه : فقال نضلة وألقى قوسه من يده : والله لا أرمي معه وأنت معه ، قوله : وأنا معكم كلكم بكسر اللام ، وسئل كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الفريقين وأحدهما غالب والآخر مغلوب ، وأجيب بأن المراد منه معية القصد إلى الخير وإصلاح النية والتدرب فيه للقتال . وفي الحديث دلالة على رجحان قول من قال من أهل النسب : إن اليمن من ولد إسماعيل ، وأسلم من قحطان ، وفيه إطلاق الأب على الجد وإن علا ، وفيه أن السلطان يأمر رجاله بتعلم الفروسية ويحض عليها خصوصا الرمي بالسهام . وقد وردت فيه أحاديث تدل على فضله والتحريض عليه ، فمنها ما رواه الترمذي عن أبي نجيح يعني عمرو بن عنبسة يرفعه : من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر ، وقال : حسن صحيح .
ومنها ما رواه النسائي عن كعب بن مرة من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ العدو أو لم يبلغ كان له كعتق رقبة . ومنها ما رواه ابن حبان عن كعب بن مرة هذا ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من بلغ العدو بسهم رفع الله له درجة ، فقال له عبد الرحمن بن النحام : وما الدرجة يا رسول الله ؟ قال : أما إنها ليست بعتبة أمك ، ما بين الدرجتين مائة عام . ومنها ما ذكره في ( الخلعيات ) من حديث الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس يدخل الله بالسهم الجنة ثلاثة الرامي به وصانعه والمحتسب به ، وفي لفظ من اتخذ قوسا عربية وجفيره يعني كنانته نفى الله عنه الفقر ، وفي لفظ أربعين سنة .
قلت : ذكر الخطيب أن الحسن هذا هو ابن أبي الحسناء . ومنها ما رواه أبو داود من حديث أبي راشد الحبراني عن علي - رضي الله تعالى عنه - رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يرمي بقوس فارسية فقال : ارم بها ، ثم نظر إلى قوس عربية ، فقال : عليكم بهذه وأمثالها ، فإن بهذه يمكن الله لكم في البلاد ويزيدكم في النصر ، وذكر البيهقي عن أبي عبد الرحمن بن عائشة أنها قالت : قال : قال أهل العلم : إنما نهى عن القوس الفارسية ؛ لأنها إذا انقطع وترها لم ينتفع بها صاحبها ، والعربية إذا انقطع وترها كانت له عصا ينتفع بها .