باب
حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة : أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قرصت نملة نبيا من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله . وجه مناسبته بما قبله من حيث إنه لا يجوز المجاوزة بالتحريق إلى من لا يستحق ذلك ، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر فيه أن الله عز وجل عاتب هذا النبي عليه السلام بإحراقه تلك الأمة من النمل ، ولم يكتف بإحراق النملة التي قرصته ، فلو أحرقها وحدها لما عوتب عليه . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث أخرجه مسلم في الحيوان ، عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى ، وأخرجه أبو داود في الأدب ، عن أحمد بن صالح ، وأخرجه النسائي في الصيد ، عن وهب بن بيان ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي الطاهر ، وأحمد بن عيسى ، وعن محمد بن يحيى .
قوله قرصت بالقاف أي لدغت ، قوله : نبيا قال الكرماني : قيل ذلك النبي كان موسى عليه الصلاة والسلام ، قوله : بقرية النمل القرية المجتمع ، قوله : أن قرصتك بفتح الهمزة وبهمزة الاستفهام ملفوظة أو مقدرة ، وقال الكرماني : كيف جاز إحراق النمل قصاصا وهو ليس بمكلف ، ثم إن جزاء سيئة سيئة مثلها ، ثم إن القارص نملة واحدة ولا تزر وازرة وزر أخرى ، قلت : لعله كان في شرعه جائزا ، ويقال : المؤذي طبعا يقتل شرعا قياسا على الأفعى ، فإن قلت : لو كان جائزا لما ذم عليه ، قلت : يحتمل أن يذم على ترك الأولى ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين انتهى ، قلت : قوله : لعله كان في شرعه جائزا ، فيه نظر ؛ لأنه حكم بالتخمين ، والأولى أن يقال : لعله لم يكن يعلم حينئذ أنه لا يجوز ، وقوله : المؤذي طبعا ، ليس النمل بمؤذ طبعا لأن قرصها يحتمل أنه كان على سبيل الاتفاق ، وقوله : يحتمل أن يذم على ترك الأولي لا يقال في حق نبي إن الله ذمه على فعل بل يقال عاتبه . وفي الحديث تسبيح النمل ، فيدل ذلك على أن جميع الحيوانات تسبح الله تعالى كما قال في كتابه الكريم : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ الآية ، وقال ابن التين : وهو دليل لمن قال لا يحرق النمل ، وأجازه ابن حبيب ، وأما إن أدت ضرورة إلى ذلك فجائز أن تحرق أو تغرق .