باب الكذب في الحرب
حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله ، قال محمد بن مسلمة : أتحب أن أقتله يا رسول الله قال : نعم ، قال : فأتاه فقال : إن هذا ، يعني : النبي صلى الله عليه وسلم ، قد عنانا وسألنا الصدقة ، قال : وأيضا والله لتملنه ، قال : فإنا قد اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير أمره ، قال : فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله . قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأن الذي وقع من محمد بن مسلمة في قتل كعب بن الأشرف يمكن أن يكون تعريضا ، وأجيب بوجود المطابقة ، فإن محمد بن مسلمة قال : فأذن لي فأقول ، قال : قد فعلت ، فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحا وتلويحا ، فإن قلت : ليس في حديث الباب هذا ، قلت : هذه الزيادة ثابتة في حديث الباب الذي يليه ، والحديث واحد في الأصل ، عن جابر ، على أنه قد جاء من ذلك صريحا فيما أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا : لا يحل الكذب إلا في ثلاث ، يحدث الرجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، وفي الإصلاح بين الناس ، وقال النووي : الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة ، لكن التعريض أولى . والحديث قد مضى في كتاب الشركة في باب رهن السلاح ، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله ، عن سفيان ، عن عمرو ، عن جابر .
قوله : من لكعب بن الأشرف أي من لقتله ، ومن مبتدأ ، ولكعب خبره ، وكعب بن الأشرف ضد الأخس اليهودي القرظي ، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذيه ، قوله : قال محمد بن مسلمة بفتح الميم واللام الأنصاري الحارثي ، قوله : قد آذى الله فيه حذف أي آذى رسول الله ، وأذاه لرسول الله هو أذى لله ؛ لأنه لا يرضى به ، قوله : أتحب الهمزة فيه للاستفهام ، وكلمة أن في أن أقتله مصدرية والتقدير أتحب قتله ، قوله : قد عنانا بفتح النون المشددة أي أتعبنا ، وهذا من التعريض الجائز بل من المستحسن ؛ لأن معناه في الباطن أدبنا بآداب الشريعة التي فيها تعب لكنه تعب في مرضاة الله تعالى ، والذي فهم المخاطب هو العناء الذي ليس بمحبوب ، قوله : وسألنا بفتح الهمزة وفتح اللام ، والضمير فيه يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والصدقة منصوب ؛ لأنه مفعول ثان ، قوله : وأيضا والله لتملنه أي والله بعد ذلك تزيد ملالتكم عنه وتتضجرون عنه أكثر وأزيد من ذلك ، فإن قلت : هذا غدر فكيف جاز ، قلت : حاشا ؛ لأنه نقض العهد بإيذائه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال المازري : نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه وأعان المشركين على حربه ، فإن قلت : أمنه محمد بن مسلمة ، قلت : لم يصرح له بأمان في كلامه ، وإنما كلمه في أمر البيع والشراء والشكاية إليه والاستيناس به حتى تمكن من قتله ، وقيل في قتل محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف دلالة أن الدعوة ساقطة ممن قرب من دار الإسلام ، وكانت قضية محمد بن مسلمة في رمضان ، وقيل : في ربيع الأول ، والأول أشهر في السنة الثالثة من الهجرة ، وقال ابن إسحاق : أتى كعب المدينة فنزلها ، ولما جرى ببدر ما جرى قال : ويحكم أحق هذا ، وإن محمدا قتل أشراف العرب وملوكها ، والله إن كان هذا حقا لبطن الأرض خير من ظهرها ، ثم خرج حتى قدم مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي ، فأكرمه المطلب فجعل ينوح ويبكي على قتلى بدر ويحرض الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنشد الأشعار في ذلك ، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من لكعب بن الأشرف ، فقال محمد بن مسلمة الأنصاري أخو بني عبد الأشهل : أنا له يا رسول الله ، وسرد في ذلك كلاما كثيرا ، ثم قال : إنه اجتمع به وسأله أن يسلفه سلفا وجرى بينهما ما يتعلق بالرهن ، إلى أن قال : نرهنك اللامة ، يعني السلاح ، قال : نعم ، فواعده أن يأتيه بالحارث بن أوس وأبي عبس جابر بن عتيك وعباد بن بشر ، قال : فجاؤوه فدعوه ليلا فنزل إليهم ، فقالت له امرأته : إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم ، فقال : إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة ، وإن الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب . وقال محمد : إني إذا جاء سأمد يدي ، فإذا استمكنت منه فدونكم ، قال : فنزل وهو متوشح ، فقال له : نجد منك ريح الطيب ، قال : نعم ، تحتي فلانة أعطر نساء العرب ، فقال محمد : أتأذن لي أن أشم منه ، قال : نعم ، فشم فتناول فشم ثم عاد فشم فلما استمكن منه قال : دونكم ، فقتلوه ، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه ، وحكى الطبري عن الواقدي قال : جاؤوا برأس كعب بن الأشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي كتاب شرف المصطفى : أن الذين قتلوا كعبا حملوا رأسه في المخلاة ، فقيل : إنه أول رأس حمل في الإسلام ، وقيل : بل رأس أبي غرة الجمحي الذي قال له النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فقتله واحتمل رأسه إلى المدينة في رمح ، وأما أول مسلم حمل رأسه في الإسلام فعمرو بن الحمق ، وله صحبة .