حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب فرض الخمس

حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله ، أخبرنا يونس ، عن الزهري قال : أخبرني علي بن الحسين : أن حسين بن علي عليهما السلام أخبره أن عليا قال : كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه الصواغين ، وأستعين به في وليمة عرسي ، فبينا أنا أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار ، رجعت حين جمعت ما جمعت ، فإذا شارفاي قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما ، وأخذ من أكبادهما ، فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر منهما ، فقلت : من فعل هذا ؟ فقالوا : فعل حمزة بن عبد المطلب ، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار ، فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة ، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم في وجهي الذي لقيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما لك ؟ فقلت : يا رسول الله ، ما رأيت كاليوم قط ؛ عدا حمزة على ناقتي ، فأجب أسنمتهما ، وبقر خواصرهما ، وها هو ذا في بيت معه شرب ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتدى ، ثم انطلق يمشي ، واتبعته أنا وزيد بن حارثة ، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة ، فاستأذن فأذنوا لهم ، فإذا هم شرب ، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل ، فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه ، فنظر حمزة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر ، فنظر إلى ركبته ، ثم صعد النظر ، فنظر إلى سرته ، ثم صعد النظر ، فنظر إلى وجهه ، ثم قال حمزة : هل أنتم إلا عبيد لأبي ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد ثمل ، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى ، وخرجنا معه . مطابقته للترجمة في قوله : أعطاني شارفا من الخمس ، وعبدان قد مر غير مرة ، وهو لقب عبد الله بن عثمان ، وعبد الله هو ابن المبارك ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم ، يروي عن أبيه الحسين بن علي أخو الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم . والحديث مر في كتاب الشرب في باب بيع الحطب والكلأ ، فإنه أخرجه هناك ، عن إبراهيم بن موسى ، عن هشام ، عن ابن جريج ، عن ابن شهاب ، عن علي بن حسين بن علي ، عن أبيه حسين بن علي ، عن علي بن أبي طالب .

إلى آخره ، وبين المتنين بعض تفاوت بزيادة ونقصان . قوله : شارف بالشين المعجمة ، وهو المسنة من النوق . قوله : أعطاني شارفا من الخمس ، يعني يوم بدر ، ظاهره أن الخمس كان يوم بدر ، قال ابن بطال : لم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر .

قلت : فحينئذ يحتاج قول علي رضي الله عنه إلى تأويل لا يعارض قول أهل السير ، وهو أن معنى قول علي رضي الله عنه وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس يعني من سرية عبد الله بن جحش ، وكانت قبل بدر الأولى في رجب من السنة الثانية ، وكان صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش ومعه ثمانية رهط من المهاجرين إلى نخلة بين مكة والطائف ، فوجدوا بها عير قريش ، فقتلوهم وأخذوا العير ، فقال عبد الله لأصحابه : إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس ، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم ، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الغنيمة ، وقسم الباقي بين أصحابه ، وقد روى أبو داود ما يدل على هذا المعنى ؛ قال : كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفا من الخمس يومئذ ، يعني يوم بدر ، وأراد به من الخمس الذي عزله عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم من العير التي أخذها كما ذكرنا . وقيل : أول يوم جعل فيه الخمس في غزوة بني قريظة حين حكم سعد بأن تقتل المقاتلة ، وتسبى الذرية . وقيل : نزل بعد ذلك ، ولم يأت في ذلك من الحديث ما فيه بيان شاف ، وإنما جاء أمر الخمس يقينا في غنائم حنين ، وهي آخر غنيمة حضرها الشارع .

قوله : أن أبتني من الابتناء ، وهو الدخول بالزوجة ، وكذلك البناء ، وقد ذكرنا أن أصل ذلك أن الرجل كان إذا أراد تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها ، فيقال : بنى الرجل على أهله . قوله : من بني قينقاع ، بفتح القافين وضم النون وفتحها وكسرها منصرفا وغير منصرف ، قال الكرماني : هم قبيلة من اليهود ، وقال الصاغاني : هم حي من اليهود ، قلت : هو مركب من قين الذي هو الحداد ، وقاع اسم أطم من آطام المدينة . قوله : بإذخر بكسر الهمزة حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب ، وهمزته زائدة ، وقد مر في كتاب الحج .

قوله : وليمة عرسي ، الوليمة طعام الزفاف ، وقيل : اسم لكل طعام ، والعرس بالكسر امرأة الرجل ، وبالضم طعام الوليمة ، وينبغي أن يكون بالكسر ، وألا يكون المعنى : وليمة وليمتي ، وهكذا لا يقال . وفي المغرب : العرس بالضم اسم ، ومنه : إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب ، أي : إلى طعام عرس ، وطعام الوليمة يسمى عرسا باسم سببه . قوله : من الأقتاب جمع قتب ، وهو معروف والغرائر بالغين المعجمة ، وبالراء المكررة : ظرف التبن ونحوه ، وهو جمع غرارة ، قال الجوهري : أظنه معربا .

قوله : وشارفاي مبتدأ ، وخبره قوله : مناخان أي مبروكان ، ويروى : مناختان ، فالتذكير باعتبار لفظ شارف ، والتأنيث باعتبار معناه . قوله : فإذا كلمة مفاجأة . قوله : قد اجتبت افتعل من الجب بفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة ، وهو القطع .

قوله : وبقرت على صيغة المجهول من البقر بالباء الموحدة والقاف ، وهو الشق . قوله : ولم أملك عيني ، أي من البكاء ، وإنما كان بكاؤه رضي الله عنه خوفا من توهم تقصيره في حق فاطمة رضي الله تعالى عنها ، أو في تأخير الابتناء بسبب ما كان منه ما يستعان به لا لأجل فواتهما ؛ لأن متاع الدنيا قليل ، لا سيما عند أمثاله . قوله : في شرب بفتح الشين المعجمة ، جمع شارب .

قوله : حتى أدخل يجوز بالرفع والنصب . قوله : ما رأيت كاليوم قط أي ما رأيت يوما أفظع كاليوم . قوله : فطفق أي جعل قوله : قد ثمل بفتح الثاء المثلثة وكسر الميم أي سكر .

قوله : ثم صعد بفتح الصاد المهملة ، وتشديد العين المهملة المفتوحة ؛ أي : جر النظر . قوله : إلا عبيد أي كعبيد ، وغرضه أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته ، وأنه أقرب إليه منهما . قوله : فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم القهقرى قال الأخفش : يعني رجع وراءه ووجهه إليه ، والنكوص الرجوع إلى وراء ، يقال : نكص ينكص فهو ناكص ، قال ابن الأثير : القهقرى مصدر ، ومنه قولهم : رجع القهقرى ، أي رجع الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم ، قلت : يكون القهقرى منصوبا على المصدرية من غير لفظه كما في قعدت جلوسا ، وقال الأزهري : القهقرى الارتداد عما كان عليه ، وقد قهقر وتقهقر ، وقيل : إنه مشتق من القهر .

وقال الطبري : وفي حديث علي رضي الله عنه أن المسلمين كانوا يشربون الخمر ويسمعون الغناء في أول الإسلام ، حتى نهى الله عن ذلك بقوله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية ، وإنما حرمت الخمر بعد غزوة أحد ، احتج بعض أهل العلم بهذا الحديث في إبطال أحكام السكران ، وقالوا : لو لزم السكران ما يكون منه في حال سكره كما يلزمه في حال صحوه لكان المخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما استقبله حمزة كافرا مباح الدم ، قاله الخطابي . ثم قال : وقد ذهب على هذا القائل أن ذلك منه إنما كان قبل تحريم الخمر . فإن قلت : إلى ما آل إليه أمر الناقتين قلت : كان ضمانهما لازما لحمزة رضي الله عنه لو كان طالبه علي رضي الله عنه ، ويمكن أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عوضهما ؛ إذ العلماء لا يختلفون أن جنايات الأموال لا تسقط عن المجانين وغير المكلفين ، ويلزمهم ضمانها في كل حال كالعقلاء .

ومن شرب لبنا ، أو أكل طعاما ، أو تداوى بمباح فسكر فهو كالمجنون والمغمى عليه والصبي يسقط عنهم حد القذف وسائر الحدود غير إتلاف الأموال ، لرفع القلم عنهم ، ومن سكر من حلال فحكمه حكم هؤلاء ، وعن أبي عبد الله النحال أن من سكر من ذلك لا طلاق عليه ، وحكى الطحاوي أنه إجماع من العلماء رحمهم الله تعالى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث