بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب أي هذا كتاب في بيان أحكام الجزية إلى آخره ، ولفظ الكتاب إنما وقع عند أبي نعيم وابن بطال وعند الأكثرين باب الجزية ، وأما البسملة فموجودة عند الكل إلا في رواية أبي ذر ، والجزية من الجزاء لأنها مال يؤخذ من أهل الكتاب جزاء الإسكان في دار الإسلام ، وقيل : من جزأت الشيء إذا قسمته ثم سهلت الهمزة وهي عبارة عن المال الذي يعقد للكتابي عليه الذمة ، وهي فعيلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله ، والموادعة المتاركة والمراد بها متاركة أهل الحرب مدة معينة لمصلحة ، قيل : فيه لف ونشر مرتب لأن الجزية مع أهل الذمة والموادعة مع أهل الحرب . وقول الله تعالى قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وقول الله بالجر عطفا على قوله الجزية أي وفي بيان قول الله عز وجل ، ومطابقة الآية الكريمة للترجمة في قوله حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وهذه الآية أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعدما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا واستقامت جزيرة العرب أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى وكان ذلك في سنة تسع ، ولهذا جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم فأوعبوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ وحر ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام لقتال الروم فبلغ تبوك فنزل بها وأقام على مائها قريبا من عشرين يوما ، ثم استخار الله تعالى في الرجوع فرجع لضيق الحال وضعف الناس . قوله حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أي إن لم يسلموا ، قوله عَنْ يَدٍ أي عن قهر وغلبة ، وَهُمْ صَاغِرُونَ أي ذليلون حقيرون مهانون ، فلهذا لا يجوز إعزازهم ولا رفعهم على المسلمين بل أذلاء أشقياء . أذلاء . هذا تفسير البخاري لقوله تعالى وَهُمْ صَاغِرُونَ وذكر أبو عبيد في المجاز : الصاغر الذليل الحقير . والمسكنة مصدر المسكين ، يقال : أسكن من فلان أحوج منه ولم يذهب إلى السكون . وجه ذكر البخاري لفظ المسكنة هنا هو أن عادته أنه يذكر ألفاظ القرآن التي لها أدنى مناسبة بينها وبين ما هو المقصود في الباب ويفسرها ، وقد ورد في حق أهل الكتاب قوله تعالى وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فقال : والمسكنة مصدر المسكين ، قلت : المسكنة الفقر المدقع ، وقال ابن الأثير : المسكنة فقر النفس ، فإن كان مراد البخاري من المصدر الاصطلاحي فلا يصح على ما لا يخفى ، وإن كان مراده الموضع فكذلك لأنه لا يقال المسكنة موضع صدور المسكين . قوله أسكن من فلان أحوج منه إشارة إلى أن المسكين يؤخذ من قولهم فلان أسكن من فلان أي أحوج وليس من السكون الذي هو قلة الحركة ، وهذا الكلام فيه ما فيه أيضا لأن المسكنة والمسكين وما يشتق من ذلك في هذا الباب كلها من السكون ، وقال بعضهم : والقائل ولم يذهب إلى السكون ، قيل : هو الفربري الراوي عن البخاري ، قلت : من قال ممن تصدى شرح البخاري أو من غيرهم إن قائل هذا هو الفربري ، وهذا تخمين وحدس ، ولئن سلمنا أن أحدا منهم ذكر هذا على الإبهام فلا يفيد شيئا لأن المتصرف في مادة خارجا عن القاعدة لا يؤخذ منه ، وهذا مما لا نزاع فيه ولا مكابرة . وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم . أي وفي بيان ما جاء في أخذ الجزية إلى آخره وهذا من بقية الترجمة ، قوله والعجم أعم من المعطوف عليه من وجه وأخص من وجه آخر ، وهذا الذي ذكره هو قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فإن عنده تؤخذ الجزية من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ، وعند الشافعي وأحمد : لا يؤخذ إلا من أهل الكتاب ، وعند مالك : يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابي ومجوسي ووثني وغير ذلك إلا من ارتد ، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام . وقال ابن عيينة عن ابن أبي نجيح : قلت لمجاهد : ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار ؟ قال : جعل ذلك من قبل اليسار . ابن عيينة هو سفيان ، وابن أبي نجيح هو عبد الله . وهذا التعليق وصله عبد الرزاق عنه به ، وزاد بعد قوله أهل الشام من أهل الكتاب تؤخذ منهم الجزية قوله من قبل اليسار أي من جهة الغنى ، وأشار بهذا إلى جواز التفاوت في الجزية وقد عرف ذلك في الفروع . 1 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : سمعت عمرا قال : كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم ، قال : كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف ، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة ، فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس ، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر . مطابقته للترجمة في قوله والمجوس . ( ذكر رجاله ) الرجال المذكورون فيه أحد عشر نفسا : الأول : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني . الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : عمرو بن دينار . الرابع : جابر بن زيد أبو الشعثاء البصري . الخامس : عمرو بن أوس بفتح الهمزة وسكون الواو وفي آخره سين مهملة الثقفي المكي . السادس : بجالة بفتح الباء الموحدة وتخفيف الجيم وباللام ابن عبدة بالمهملتين والباء الموحدة المفتوحات التميمي ، وقد يقال : بجالة بن عبد بسكون الباء بلا هاء ، وهو من التابعين الكبار المشهورين من أهل البصرة . السابع : مصعب بن الزبير بن العوام أبو عبد الله من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة وكان يجالس أبا هريرة ، وحكى عن عمر بن الخطاب وروى عن أبيه الزبير بن العوام وسعد وأبي سعيد الخدري ، وكان يقال له النحل لجوده ، وكان جميلا وسيما شجاعا ، وولي العراق خمس سنين فأصاب ألف ألف وألف ألف وألف ألف ففرقها في الناس ، قتل يوم الخميس النصف من جمادى الأخرى سنة اثنتين وسبعين وسنه خمس وثلاثون سنة ، وقيل : تسع وثلاثون ، وقيل : أربعون ، وقيل : خمس وأربعون ، وكان قتله عند دير الجاثليق على شاطئ نهر يقال له دجيل ، وقبره معروف هناك ، وكان عبد الملك بن مروان سار في جنود هائلة من الشام فالتقى مصعبا في السنة المذكورة ، وعبد الملك في خمسين ألفا ومصعب في ثلاثين ألفا ، فانهزم جيش مصعب لنفاق جماعة من عسكره وقتل منهم خلق كثير وقتل مصعب ، قتله زائدة بن قدامة ، وقيل : يزيد بن الهبار القابسي وكان من أصحاب مصعب ، ونزل إليه عبيد الله بن ظبيان فحز رأسه وأتى به عبد الملك فأعطاه ألف دينار . وكان في هذه الأيام عبد الله بن الزبير يدعى له بالخلافة في أرض الحجاز وأخوه مصعب كان عامله على البصرة والكوفة . الثامن : جزء بفتح الجيم وسكون الزاي وفي آخره همزة ابن معاوية بن حصين بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة التميمي السعدي ، قال الدارقطني : بكسر الجيم وسكون الزاي وبالياء آخر الحروف ، وقال ابن ماكولا : بفتح الجيم وكسر الزاي وبالياء . وقيل : بضم الجيم وفتح الزاي وتشديد الياء ، وقيل : هذا تصحيف ، وقال بعضهم : وهو معدود في الصحابة وكان عامل عمر على الأهواز ، وقال أبو عمر في الاستيعاب : لا يصح له صحبة . التاسع : الأحنف بن قيس واسمه الضحاك بن قيس ، وقيل : صخر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة التميمي السعدي . قال أبو عمر : أدرك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يره ، وأسلم على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وكان أحد الأجلة الحكماء الدهاة الحلماء العقلاء ، يعد من كبار التابعين بالبصرة ، ومات بالكوفة في إمارة مصعب بن الزبير سنة سبع وستين ، ومشى مصعب في جنازته ، وقال الذهبي : هو مخضرم . العاشر : عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . الحادي عشر : عبد الرحمن بن عوف ، أحد المبشرة بالجنة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه السماع في موضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه عمرو بن دينار ، وليس له هنا رواية لأن بجالة لم يقصده بالتحديث وإنما حدث غيره فسمعه هذا وهذا من وجوه التحمل بالاتفاق ، ولكن اختلفوا هل يسوغ أن يقول حدثنا ، والجمهور على الجواز ومنع منه النسائي وطائفة قليلة ، وقال البرقاني : يقول : سمعت فلانا ، وفيه بجالة وما له في البخاري سوى هذا الموضع ، وذكر المزي هذا الحديث في مسند عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود أيضا في الخراج عن مسدد عن سفيان بأتم منه ، وأخرجه الترمذي في السير عن أحمد بن منيع بقصة الجزية مختصرة وعن ابن أبي عمر ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه عن سفيان به مختصرا . ( ذكر معناه ) قوله سنة سبعين فيها حج مصعب بن الزبير وأخوه يدعى له بالخلافة بالحجاز والعراق ، وقدم بأموال عظيمة ودواب وظهر ففرق الجميع في قومه وغيرهم ، ونحر عند الكعبة ألف بدنة وعشرين ألف شاة ، وأغنى ساكني مكة وعاد إلى الكوفة . قوله عند درج زمزم الدرج بفتحتين جمع درجة وهي المرقاة ، قاله الجوهري ، وفي المغرب : درج السلم رتبه ، الواحدة درجة . قوله قبل موته أي قبل موت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، قوله فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس قال الخطابي : أمر عمر رضي الله تعالى عنه بالتفرقة أي بين الزوجين ، المراد منه أن يمنعوا من إظهاره للمسلمين والإشارة به في مجالسهم التي يجتمعون بها للأملاك وإلا فالسنة أن لا يكشفوا عن بواطن أمورهم وعما يستحلون به من مذاهبهم في الأنكحة وغيرها ، وذلك كما يشترط على النصارى أن لا يظهروا صليبهم ولا يفشوا عقائدهم لئلا يفتتن به ضعفة المسلمين ثم لا يكشف لهم عن شيء مما استحلوه من بواطن الأمور . وفي رواية مسدد وأبي يعلى بعد قوله فرقوا بين كل زوجين من المجوس : اقتلوا كل ساحر ، قال : فقتلنا في يوم ثلاث سواحر وفرقنا بين المحارم منهم ، وصنع طعاما فدعاه وعرض السيف على فخذيه ، فأكلوا بغير رمرمة . قوله ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس لأنه كان يرى في زمانه أن الجزية لا تقبل إلا من أهل الكتاب إذ لو كان عاما لما كان في توقفه في ذلك معنى ، قوله حتى شهد عبد الرحمن بن عوف يعني إلى أن شهد ، فلما شهد بذلك رجع إليه ، وفي الموطأ : عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر قال : لا أدري ما أصنع بالمجوس ، فقال عبد الرحمن بن عوف : أشهد لقد سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول : سنوا بهم سنة أهل الكتاب وهذا منقطع ورجاله ثقات ، ورواه ابن المنذر والدارقطني في الغرائب من طريق أبي علي الحنفي عن مالك فزاد فيه عن جده ، وهذا أيضا منقطع لأن جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر ، وقال أبو عمر : هذا من العام الذي أريد به الخاص لأن المراد منه أهل الكتاب وأخذ الجزية فقط ، واستدل بقوله سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا أهل الكتاب ، ورد هذا بأن قوله صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب يعني في أخذ الجزية منهم . ومن ادعى الخصوص فعليه الدليل ، وأيضا فإنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث أمراء السرايا فيقول لهم : إذا لقيتم العدو فادعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا فالجزية فإن أعطوا وإلا قاتلوهم ، ولم ينص على مشرك دون مشرك بل عم جميعهم لأن الكفر يجمعهم ، ولما جاز أن يسترقهم جاز أن تؤخذ منهم الجزية عكسه المرتد لما لم يجز أن يسترق لم يجز أخذ الجزية منه ، فإن قلت : تدل الآية المذكورة على أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب ، قلت : لا نسلم لأن الله تعالى لم ينه أن تؤخذ من غيرهم ، وللشارع أن يزيد في البيان ويفرض ما ليس بموجود ، ذكره في الكتاب على أن الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما رووا بإسناد حسن عن علي رضي الله تعالى عنه : كان المجوس أهل كتاب يقرؤونه وعلم يدرسونه ، فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم ، وقال : إن آدم عليه الصلاة والسلام كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه ، فقتل من خالفه فأسري على كتابهم وعلى ما في قلوبهم فلم يبق عندهم شيء . قوله هجر بفتحتين ، قالوا : المراد منه هجر البحرين ، قال الجوهري : هو اسم بلد مذكر مصروف ، وقال الزجاجي : يذكر ويؤنث ، وقال البكري : لا يدخله الألف واللام ، وفي الحديث قبول خبر الواحد .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/397127
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة