باب ما جاء في قوله تعالى وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته
حدثنا مكي بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه ، فإذا أمطرت السماء سري عنه ، فعرفته عائشة ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أدري لعله كما قال قوم : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ الآية . مطابقته للترجمة من حيث إنه مشتمل على ذكر الريح والمطر الذي يأتي به الريح ، ومكي بن إبراهيم بن بشر بن فرقد الحنظلي البلخي ، ولفظ مكي على صورة النسبة اسمه وليس هو منسوبا إلى مكة ، وقد وهم الكرماني فقال : مكي نسبة إلى مكة ، وقال في موضع آخر : كالمنسوب إلى مكة ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وعطاء هو ابن أبي رباح . والحديث أخرجه الترمذي في التفسير عن عبد الرحمن بن الأسود البصري ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن يحيى بن أيوب المروزي .
قوله مخيلة بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وهي السحابة التي بخال فيها المطر ، قوله وتغير وجهه خوفا أن تصيب أمته عقوبة ذنب العامة كما أصاب الذين قالوا : هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا الآية ، فإن قلت : كيف يلتئم هذا مع قوله وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ؟ قلت : الآية نزلت بعد هذه القصة ، وهذه كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع لدرجته حيث لا يعذب أمته وهو فيهم ولا يعذبهم أيضا وهم يستغفرون بعد ذهابه صلى الله عليه وسلم . واستنبطت الصوفية من ذلك أن الإيمان الذي في القلوب أيضا يمنع من تعذيب أبدانهم كما كان وجوده فيهم مانعا منه ، قوله فإذا أمطرت السماء قد مر الكلام في أمطر ومطر في باب الاستسقاء ، وفي رواية أبي ذر بدون الألف ، قوله سري عنه على صيغة المجهول أي كشف عنه ما خالطه من الوجل ، يقال : سررت الثوب وسريته إذا أخلقته ، وسريت الجل عن الفرس إذا نزعته عنه والتشديد للمبالغة ، قوله فعرفته عائشة من التعريف أي عرفت النبي صلى الله عليه وسلم ما كان عرض له ، قوله عارضا وهو السحاب الذي يعترض في أفق السماء .