حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم

حدثنا الحسن بن الربيع ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، قال عبد الله : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق ، قال : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ، ويقال له : اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع ، فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة . مطابقته للترجمة في قوله : ثم يبعث الله ملكا لأن في الحديث ذكر الملك ، وفي الترجمة ذكر الملائكة ، والملائكة أنواع لا يحصي عددهم إلا الله تعالى وساداتهم الأكابر أربعة : جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ، ومنهم الروح قال الله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ومنهم الحفظة . ومنهم الملائكة الموكلون بالقطر والنبات والرياح والسحاب .

ومنهم ملائكة القبور ، ومنهم سياحون في الأرض يبتغون مجالس الذكر ، ومنهم كروبيون وروحانيون وحافون ومقربون ، ومنهم ملائكة تقذف الشياطين بالشهاب ، ومنهم حملة العرش ، ومنهم موكلون بصخرة بيت المقدس ، ومنهم موكلون بالمدينة ، ومنهم موكلون بتصوير النطف ، ومنهم ملائكة يبلغون السلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمته ، ومنهم من يشهد الحروب مع المجاهدين ، ومنهم خزان أبواب السماء ، ومنهم الموكلون بالنار ، ومنهم ملائكة يسمون الزبانية ، ومنهم من يغرسون أشجار الجنة ، ومنهم من يصوغون حلى أهل الجنة ، ومنهم خدم أهل الجنة ، ومنهم من نصفه ثلج ونصفه نار ، وقد ذكر البخاري في أحاديث الباب منهم جماعة كما ترجم . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول الحسن بن الربيع ضد الخريف ابن سليمان البجلي الكوفي ، يعرف بالبوراني بضم الباء الموحدة وسكون الواو وبالراء ، قال أبو حاتم : كنت أحسب الحسن مكسور العنق لانحنائه حتى قيل إنه لا ينظر إلى السماء حياء من الله تعالى . الثاني أبو الأحوص سلام بالتشديد ابن سليم الحنفي مولى بني حنيفة الكوفي .

الثالث سليمان الأعمش . الرابع زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الكوفي خرج إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقبض النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الطريق . الخامس عبد الله بن مسعود ، وهؤلاء كلهم كوفيون .

وقيل : هذا الحديث رواه جماعة منهم سفيان بن عيينة عن الأعمش إلى قوله : شقي أو سعيد كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما بعده كلام ابن مسعود ، وقد رواه عبد الرحمن بن حميد الرواسي ، عن الأعمش فاقتصر من المتن على المرفوع فحسب ، ورواه بطوله سلمة بن كهيل ، عن زيد بن وهب ، ففصل كلام ابن مسعود من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال بعد ذكر الشقاوة والسعادة : قال عبد الله : والذي نفسي بيده ، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ، الحديث . وأخرجه مسلم من حديث الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله قال : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى آخره نحوه ، غير أن بعد قوله : وشقي أو سعيد ، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ، انتهى . والحديث رواه البخاري أيضا في القدر ، عن أبي الوليد ، وفي التوحيد عن آدم .

وأخرجه مسلم في القدر ، عن ابن أبي شيبة ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، وعن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ، وعن أبي سعيد الأشج ، وعن عبد الله بن معاذ . وأخرجه أبو داود ، عن حفص بن عمرو ومحمد بن كثير . وأخرجه الترمذي في القدر ، عن هناد ، وعن محمد بن بشار ، وعن علي بن حجر .

وأخرجه ابن ماجه في السنة عن علي بن محمد ، عن وكيع ومحمد بن فضيل وأبي معاوية ، وعن علي بن ميمون ، وأنكر عمرو بن عبيد هذا الحديث ، وكان من زهاد القدرية ، ولا اعتبار لإنكاره . ( ذكر معناه ) : قوله : وهو الصادق المصدوق أي الصادق في قوله وفيما يأتيه من الوحي ، والمصدوق أن الله تعالى صدقه في وعده . وقال الكرماني : المصدوق ، أي من جهة جبريل عليه الصلاة والسلام ، أو المصدق يعني : بتشديد الدال المفتوحة ، وقال الطيبي : الأولى أن تجعل هذه الجملة اعتراضية لا حالية ، فتعم الأحوال كلها ، وأن يكون من عاداته ودأبه ذلك فما أحسن موقعه هنا .

قوله : يجمع على صيغة المجهول ، قالوا : معنى الجمع أن النطفة إذا وقعت في الرحم ، وأراد الله أن يخلق منها بشرا ، طارت في أطراف المرأة تحت كل شعرة وظفر ، فتمكث أربعين ليلة ، ثم تنزل دما في الرحم ، فذلك جمعها . قوله : أربعين يوما هذه الأربعون الأولى النطفة فيها تجري في أطراف المرأة ، ثم تصير دما . قوله : ثم تكون علقة وهو الدم الغليظ الجامد ، وهذا في الأربعين الثاني ، أشار إليه بقوله مثل ذلك ، أي مثل الأول أربعين يوما .

قوله : ثم تكون مضغة وهي قطعة من اللحم قدر ما يمضغ ، وهذا في الأربعين الثالث ، أشار إليه بقوله مثل ذلك ، يعني مثل الثاني أربعين يوما . ( فإن قلت ) : إن الله قادر على أن يخلقه في لمحة ، فما الحكمة في هذا المقدار . ( قلت ) : فيه حكم وفوائد ؛ منها أنه لو خلقه دفعة واحدة لشق على الأم ؛ لأنها لم تكن معتادة بذلك ، وربما تهلك ، فجعل أولا نطفة لتعتاد بها مدة ، ثم تكون علقة ، وهلم جرا إلى الولادة ، ومنها إظهار قدرة الله تعالى ونعمته ليعبدوه ويشكروا له حيث قلبهم في تلك الأطوار إلى كونهم إنسانا حسن الصورة متحليا بالعقل والشهامة مزينا بالفهم والفطانة .

ومنها إرشاد الناس وتنبيههم على كمال قدرته على الحشر والنشر ؛ لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ، ثم من علقة ومضغة مهيأة لنفخ الروح فيه يقدر على صيرورته ترابا ونفخ الروح فيه وحشره في المحشر للحساب والجزاء . قوله : ثم يبعث الله ملكا أي بعد انتهاء الأربعين الثالثة ، يبعث الله ملكا ، فيؤمر بأربع كلمات يكتبها وهي قوله : ويقال له : أي للملك المرسل : اكتب عمله ورزقه وأجله ، وشقي أو سعيد ، وكل ذلك بما اقتضت حكمته وسبقت كلمته . قوله : وشقي أو سعيد كان من حق الظاهر أن يقال يكتب سعادته وشقاوته ، فعدل حكاية لصورة ما يكتبه ؛ لأنه يكتب شقي أو سعيد .

قوله : ثم ينفخ فيه الروح أي بعد كتابة الملك هذه الأربعة ينفخ فيه الروح . وفي صحيح مسلم : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات ، الحديث . فهذا يدل على أن كتب هذه الأربعة بعد نفخ الروح ، ولفظ البخاري يدل على أن ذلك قبل نفخ الروح ، لأن في لفظه ثم ينفخ فيه الروح ، وكلمة ثم تقتضي تأخير كتب الملك هذه الأمور إلى ما بعد الأربعين الثالثة .

وقال النووي : والأحاديث الباقية تقتضي الكتب عقيب الأربعين الأولى ، ثم أجاب عن ذلك بقوله : إن قوله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن له فيكتب ، معطوف على قوله : يجمع في بطن أمه ، ومتعلقاته لا بما قبله وهو قوله : ثم يكون مضغة مثله ، ويكون قوله ثم يكون علقة مثله ، ثم يكون مضغة مثله معترضا بين المعطوف والمعطوف عليه ، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح ، وفي كلام العرب ، وقال القاضي وغيره : والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها ، والتصرف فيها بهذه الأفعال ، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم ، وأنه يقول يا رب هذه نطفة ، يا رب هذه علقة ، وقال القاضي : وقوله في الحديث الذي روي عن أنس وإذا أراد أن يخلق خلقا قال : يا رب ، أذكر أم أنثى ، شقي أم سعيد ، لا يخالف ما قدمناه ، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة ، بل هو ابتداء كلام ، وإخبار عن حالة أخرى ، فأخبر أولا بحال الملك مع النطفة ، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد أن يخلق النطفة علقة كان كذا وكذا . ( فإن قلت ) : في رواية يرسل الملك بعد مائة وعشرين يوما ، وفي رواية : ثم يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة ، فيقول : يا رب أشقي أم سعيد ، وفي رواية : إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ، بعث الله إليها ملكا فصورها ، وخلق سمعها وبصرها وجلدها . وفي رواية حذيفة بن أسيد أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ، ثم يتسور عليها الملك .

وفي رواية أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا يأذن له لبضع وأربعين ليلة ، وذكر الحديث . وفي رواية أنس رضي الله تعالى عنه أن الله قد وكل بالرحم ملكا ، فيقول : أي رب نطفة ، أي رب علقة ، أي رب مضغة ، فما الجمع بين هذه الروايات . ( قلت ) : للملك مراعاة لحال النطفة ، وأنه يقول يا رب هذه نطفة هذه علقة هذه مضغة في أوقاتها ، وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه ، ولتصرفه وكلامه أوقات .

أحدها : حين يخلقها الله نطفة ، ثم ينقلها علقة ، وهو أول علم الملك بأنه ولد ؛ لأنه ليس كل نطفة تصير ولدا ، وذلك عقيب الأربعين الأولى ، فحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ، ثم للملك تصرف آخر في وقت آخر ، وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه وكونه ذكرا أو أنثى ، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة ، وهي مدة المضغة ، وقبل انقضاء مدة هذه الأربعين ، وقبل نفخ الروح فيه ؛ لأن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام صورته . ( فإن قلت ) : روي إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ، بعث الله إليها ملكا فصورها ، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى ، فيقضي ربك ما شاء ، ويكتب الملك ، ثم يقول : يا رب أجله ، فيقول : ربك ما شاء ، ويكتب الملك وذكر رزقه . ( قلت ) : ليس هذا على ظاهره ، ولا يصح حمله على ظاهره ، بل المراد بتصورها وخلق سمعها إلى آخره أنه يكتب ذلك ، ثم يفعله في وقت آخر ؛ لأن التصوير عقيب الأربعين الأولى غير موجود في العادة ، وإنما يقع في الأربعين الثالثة ، وهي مدة المضغة كما قال الله تعالى : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله لَحْمًا ثم يكون للملك فيه تصرف آخر ، وهو وقت نفخ الروح عقيب الأربعين الثالثة ، حتى يكمل له أربعة أشهر .

قوله : حتى ما يكون حتى هي الناصبة ، وما نافية ، ولفظة يكون منصوب بحتى ، وما غير كافة لها من العمل . قوله : إلا ذراع المراد بالذراع : التمثيل والقرب إلى الدخول أي ما يبقى بينه وبين أن يصلها إلا كمن بقي بينه وبين موضع من الأرض ذراع . قوله : فيسبق عليه الفاء للتعقيب تدل على حصول السبق بلا مهلة ضمن يسبق معنى يغلب ، أي يغلب عليه الكتاب ، وما قدر عليه سبقا بلا مهلة ، فعند ذلك يعمل بعمل أهل الجنة أو أهل النار .

قوله : فيعمل بعمل أهل النار وفيه حذف تقديره : فيدخلها ، وكذلك بعد قوله : بعمل أهل الجنة فيدخلها ، وقال الخطابي : فيه أن ظاهر الأعمال من الحسنات والسيئات أمارات ، وليست بموجبات ، وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء ، وجرى القدر ، وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي الدرداء مرفوعا : فرغ الله إلى كل عبد من خمس : من رزقه ، وأجله ، وعمله ، وأثره ، ومضجعه ، يعني : قبره ، فإنه مضجعه على الدوام وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث