باب صفة إبليس وجنوده
حدثنا إبراهيم بن موسى ، قال : أخبرنا عيسى ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سحر النبي - صلى الله عليه وسلم . وقال الليث : كتب إلي هشام أنه سمعه ووعاه عن أبيه ، عن عائشة قالت : سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ، وما يفعله ، حتى كان ذات يوم دعا ودعا ، ثم قال : أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي ، أتاني رجلان ، فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال أحدهما للآخر : ما وجع الرجل ، قال : مطبوب ، قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم ، قال : فيما ذا ؟ قال : في مشط ، ومشاقة ، وجف طلعة ذكر ، قال : فأين هو ؟ قال : في بئر ذروان ، فخرج إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم رجع ، فقال لعائشة حين رجع نخلها كأنها رؤوس الشياطين ، فقلت : استخرجته ، فقال : لا ، أما أنا فقد شفاني الله ، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرا ، ثم دفنت البئر . وجه مطابقته للترجمة من حيث إن السحر إنما يتم باستعانة الشيطان على ذلك ، وهي من جملة صفاته القبيحة ، وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي ، يعرف بالصغير ، وعيسى هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير بن العوام ، يروي عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في الطب ، عن إبراهيم بن موسى ، عن عيسى . وأخرجه النسائي في الطب عن إسحاق بن إبراهيم ، عن عيسى بن يونس نحوه . ( ذكر معناه ) قوله : وقال الليث هو الليث بن سعد رحمه الله ، هذا التعليق وصله أبو بكر عبد الله بن داود ، عن عيسى بن حماد النجيبي المصري عن الليث .
قوله : ووعاه أي حفظه . قوله : يخيل على صيغة المجهول من تخيل الشيء كذا ، وليس كذلك ، وأصله الظن . قوله : ذات يوم إنما لم يتصرف ؛ لأن إضافتها من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم ؛ لأن معنى كان ذات يوم قطعة من الزمان ذات يوم ، أي صاحبة هذا الاسم .
قوله : أشعرت أي أعلمت . قوله : أفتاني ، ويروى أنبأني ، أي أخبرني . قوله : مطبوب أي مسحور ، والطب جاء بمعنى السحر .
قوله : من طبه أي من سحره . قوله : في مشط ومشاقة المشط فيه لغات ضم الميم وإسكان الشين وضمها أيضا ، وكسر الميم بإسكان الشين ، والمشاقة بضم الميم وتخفيف الشين المعجمة والقاف . وقال الكرماني : ما يغزل من الكتان .
( قلت ) : المشاقة ما يخرج من الكتان حين يمشق ، والمشق جذب الشيء ليمتد ويطول . قوله : وجف طلعه ذكر الجف بضم الجيم وتشديد الفاء ، وهو وعاء طلع النخل ، وهو الغشاء الذي يكون عليه ، ويطلق على الذكر والأنثى ، ولهذا قيده بقوله ذكر ، وهو الذي يدعى بالكفري ، وقال ابن فارس : جف الطلع وعاؤها ، يقال : إنه شيء ينثر من جذوع النخل ، وقال الهروي : ويروى في مشط ومشاقة في جف طلعة ، قال : المشاطة الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط ، قال : وجف طلعة أي في جوفها ، وقوله : ذكر الذكر من النخل الذي يؤخذ طلعه فيجعل منه في طلع النخلة المثمرة ، فيصير بذلك تمرا ، ولو لم يجعل فيه لكان شيصا لا نوى فيه ، ولا يكاد يساغ . قوله : في بئر ذروان بفتح الذال المعجمة وسكون الراء ، ويروى ذي أروان ، وكلاهما صحيح مشهور ، والأول أصح ، وهي بئر بالمدينة في بستان بني زريق بضم الزاي وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف ، وبالقاف من اليهود .
قوله : كأنها رؤوس الشياطين قال الخطابي فيه قولان : أحدهما أنها مستدقة كرؤوس الحيات ، والحية يقال لها الشيطان ، والآخر أنها وحشية المنظر سمجة الأشكال وهو مثل في استقباح صورتها وهول منظرها كصورة الشياطين . قوله : أن يثير ذلك على الناس شرا يريد في إظهاره ، وقيل : إنما امتنع عن تعيين الساحر لئلا تقوم أنفس المسلمين فيقع بينهم وبين قبيل الساحر فتنة . قوله : ثم دفنت البئر على صيغة المجهول .
وفيه أن آثار الفعل الحرام يجب إزالتها ، وقد مر البحث في هذا مستوفى في باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر في أواخر الجهاد .