حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب صفة إبليس وجنوده

حدثنا يحيى بن جعفر ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء ، عن جابر رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا استجنح الليل ، أو كان جنح الليل ، فكفوا صبيانكم ، فإن الشياطين تنتشر حينئذ ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم ، وأغلق بابك ، واذكر اسم الله ، وأطفئ مصباحك ، واذكر اسم الله ، وأوك سقاءك واذكر اسم الله ، وخمر إناءك واذكر اسم الله ، ولو تعرض عليه شيئا . مطابقته للترجمة في قوله : فإن الشياطين تنتشر ويحيى بن جعفر بن أعين أبو زكريا البخاري البيكندي ، وهو من أفراده ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري من شيوخ البخاري ، وروى عنه هنا بواسطة ، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز ، وعطاء بن أبي رباح . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأشربة عن إسحاق بن منصور .

وأخرجه مسلم في الأشربة ، عن إسحاق بن منصور ، وعن أحمد بن عثمان . وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل . وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن أحمد بن عثمان ، وعن عمرو بن علي ، وعن عمرو بن دينار عن جابر .

( ذكر معناه ) . قوله : إذا استجنح أي إذا أظلم الليل ، ومادته جيم ونون وحاء ، وقال ابن سيده : جنح الليل يجنح جنوحا وجنحا : إذا أظلم ، ويقال : إذا أقبل ظلامه ، والجنح بضم الجيم وكسرها لغتان ، وهو ظلام الليل ، وأصل الجنح الميل ، وقيل : جنح الليل أول ما يظلم . قوله : أو كان جنح الليل ، وفي رواية الكشميهني : أو قال كان جنح الليل ، وحكى عياض أنه وقع في رواية أبي ذر : استجنع بالعين المهملة بدل الحاء ، وهو تصحيف ، وعند الأصيلي : وأول الليل بدل قوله : إذا كان جنح الليل وكان هذه تامة بمعنى وجد أو حصل .

قوله : فكفوا صبيانكم أي ضموهم وامنعوهم من الانتشار ، وفي رواية : فاكفتوا ، ومادته كاف وفاء وتاء مثناة من فوق ، ومعناه ضموهم إليكم ، وكل من ضممته إلى شيء ، فقد كفته ، وفي رواية : ولا ترسلوا صبيانكم ، وقال ابن الجوزي : إنما خيف على الصبيان في ذلك الوقت ؛ لأن النجاسة التي يلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبا ، والذكر الذي يستعصم به معدوم عندهم ، والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به ، فلذلك خيف على الصبيان في ذلك الوقت ، والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار ؛ لأن الظلام أجمع لهم من غيره ، وكذلك كل سواد ، ويقال : إن الشياطين تستعين بالظلمة ، وتكره النور وتشاءم به . قوله : فخلوهم بفتح الخاء المعجمة هكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية السرخسي بضم الحاء المهملة . قوله : وأغلق من الإغلاق فلهذا يقال الباب مغلق ، ولا يقال مغلوق ، وإنما قال : فكفوا بصيغة الجمع ، وقال : أغلق بصيغة الإفراد ؛ لأن المراد بقوله أغلق لكل واحد ، وهو عام بحسب المعنى ، أو هو في معنى المفرد ، إذ مقابلة الجمع بالجمع تفيد التوزيع ، فكأنه قال : كف أنت صبيك ، كذا قاله الكرماني ، وقال بعضهم : ولا شك أن مقابلة المفرد بالمفرد تفيد التوزيع .

( قلت ) : ليس كذلك ، بل الصواب ما قاله الكرماني . قوله : وأطفئ أمر من الإطفاء ، إنما أمر بذلك ؛ لأنه جاء في الصحيح أن الفويسقة جرت الفتيلة ، فأحرقت أهل البيت ، وهو عام يدخل فيه السراج وغيره . وأما القناديل المعلقة ، فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء ، وإن أمن ذلك كما هو من الغالب ، فالظاهر أنه لا بأس بها لانتفاء العلة ، وسبب ذلك أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلى على خمرة فجرت الفتيلة الفأرة فأحرقت من الخمرة مقدار الدرهم ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذلك ، نبه عليه ابن العربي ، وفي سنن أبي داود عن ابن عباس قال : جاءت فأرة ، فأخذت تجر الفتيلة ، فجاءت بها ، وألقتها بين يدي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على الخمرة التي كان قاعدا عليها ، فأحرقت منها موضع درهم .

قوله : وأوك أمر من الإيكاء ، وهو الشد ، والوكاء اسم ما يشد به فم القربة ، وهو ممدود مهموز ، والسقاء بكسر السين اللبن والماء ، والوطب للبن خاصة ، والنحي للسمن والقربة للماء . قوله : وخمر أمر من التخمير ، وهو التغطية ، وللتخمير فوائد صيانة من الشياطين والنجاسات والحشرات وغيرها ، ومن الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة ، وفي رواية : أن في السنة لليلة ، وفي رواية : يوما ، ينزل وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء ، أو شيء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه ذلك الوباء ، قال الليث بن سعد : والأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول . قوله : ولو تعرض عليه شيئا بضم الراء وكسرها ، ومعناه : إن لم تقدر أن تغطي فلا أقل من أن تعرض عليه عودا ، أي تعرضه عليه بالعرض وتمده عليه عرضا ، أي خلاف الطول .

قوله : شيئا وفي رواية عودا ، هذا مطلق في الآنية التي فيها شراب أو طعام . ( فإن قلت ) : روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يقول : أخبرني أبو حميد الساعدي ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح لبن من النقيع ليس مخمرا ، قال : ألا خمرته ، ولو تعرض عليه عودا ، قال أبو حميد : إنما أمر بالأسقية أن توكأ ليلا ، وبالأبواب أن تغلق ليلا ، انتهى . فهذا أبو حميد قيد الإيكاء والإغلاق بالليل .

( قلت ) : قال النووي : ليس في الحديث ما يدل عليه ، والمختار عند الأصوليين وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة ، ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره . وأما إذا كان في ظاهر الحديث ما يخالفه ، فإن كان مجملا يرجع إلى تأويله ، ويجب الحمل عليه ؛ لأنه إذا كان مجملا لا يحل له حمله على شيء إلا بتوقيف ، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عندنا ، بل يتمسك بالعموم ، وقد يقال : أبو حميد قال : أمرنا ، وهذا رواية لا تفسير ، وهو مرفوع على المختار ، ولا تنافي بين رواية أبي حميد والرواية الأخرى في يوم ، إذ ليس في أحدهما نفي للآخر ، وهما ثابتان . ( فإن قلت ) : ما حكم أوامر هذا الباب ؟ ( قلت ) : جميعها من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية ، كقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وليس على الإيجاب وغايته أن يكون من باب الندب بل قد جعله كثير من الأصوليين قسما منفردا بنفسه عن الوجوب والندب ، وينبغي للمرء أن يمتثل أمره ، فمن امتثل أمره سلم من الضرر بحول الله وقوته ، ومتى والعياذ بالله خالف إن كان عنادا خلد فاعله في النار ، وإن كان عن خطأ أو غلط فلا يحرم شرب ما في الإناء ، أو أكله والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث