باب صفة إبليس وجنوده
حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي عن صالح ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد أن محمد بن سعد بن أبي وقاص أخبره ، أن أباه سعد بن أبي وقاص قال : استأذن عمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن ، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب ، فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك ، فقال عمر : أضحك الله سنك يا رسول الله ، قال : عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب ، قال عمر : فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن ، ثم قال أي عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلن : نعم ، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا ، إلا سلك فجا غير فجك . علي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، ويعقوب بن إبراهيم يروي عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، وصالح هو ابن كيسان ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في فضل عمر عن عبد العزيز بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الله فرقهما .
وأخرجه مسلم في الفضائل عن منصور بن أبي مزاحم وعن الحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد . وأخرجه النسائي في المناقب وفي اليوم والليلة عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وفيه أربعة من التابعين وهم صالح ومن بعده . قوله : يكلمنه أي يكلمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قوله : ويستكثرنه أي يطلبن كثيرا من كلامه وجوابه ، ويحتمل أن يكون من العطاء ، ويؤيده أنه ورد في رواية أنهن يردن النفقة . قوله : عالية أصواتهن هذه الجملة وقعت حالا من الضمير الذي في يكلمنه وأصواتهن بالرفع ؛ لأن اسم الفاعل يعمل عمل فعله ، وعلو أصواتهن يحمل على أنه كان قبل النهي عن رفع الصوت ، أو يحمل على أنه لاجتماعهن حصل لغط من كلامهن أو يكون فيهن من هي جهيرة الصوت ، أو يحمل على أنهن لما علمن عفوه وصفحه سمحن في رفع الصوت . قوله : يبتدرن أي يتسارعن ، والجملة حال من الضمير الذي في قلن .
قوله : ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك جملة حالية . قوله : أضحك الله سنك ليس دعاء بكثرة الضحك حتى يعارضه قوله تعالى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا بل المراد لازمه وهو السرور أو الآية ، ليست عامة شاملة له - صلى الله عليه وسلم - ، قاله الكرماني وفيه نظر ، والوجه هو الأول . قوله : يهبن بفتح الهاء من الهيبة .
قوله : أي عدوات أي يا عدوات . قوله : أفظ وأغلظ والفظاظة والغلظ بمعنى واحد ، وهي عبارة عن شدة الخلق وخشونة الجانب . ( فإن قلت ) : الأفظ والأغلظ يقتضي الشركة في أصل الفعل ، فيلزم أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فظا غليظا ، وقد نفى الله عنه ذلك بقوله وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ قلت : لا يلزم منه إلا نفس الفظاظة والغلظ ، وهو أعم من كونه فظا غليظا ، لأنهما صفة مشبهة يدلان على الثبوت ، والعام لا يستلزم الخاص ، أو الأفضل ليس بمعنى الزيادة لقوله تعالى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ هذا كله كلام الكرماني ، وفي النفس منه قلق ، والأوجه أن يقال إنه على المفاضلة ، وإن القدر الذي بينهما في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ما كان إغلاظه على الكفار والمنافقين ، قال الله تعالى : جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ قوله : فجا بفتح الفاء وتشديد الجيم هو الطريق الواسع ، وقيل هو الطريق بين الجبلين ، وقال عياض : يحتمل أنه ضرب مثلا لبعد الشيطان وأعوانه من عمر رضي الله عنه ، وأنه لا سبيل لهم عليه ، أي إنك إذا سلكت في أمر بمعروف أو نهي عن منكر تنفذ فيه ولا تتركه فييأس الشيطان من أن يوسوس فيه فتتركه وتسلك غيره ، وليس المراد به الطريق على الحقيقة ؛ لأن الله تعالى قال إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ فلا يخافه إذا في فج ؛ لأنه لا يراه .
وقال الكرماني ( فإن قلت ) : فيلزم من ذلك أن يكون عمر أفضل من أيوب النبي – عليه الصلاة والسلام - إذ قال : مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ قلت : لا إذ التركيب لا يدل إلا على الزمان الماضي وذلك أيضا مخصوص بحال من الإسلام ، فليس على ظاهره ، وأيضا هو مقيد بحال سلوك الطريق ، فجاز أن يلقاه في غير تلك الحالة ، انتهى . ( قلت ) : الجواب الأخير موجه ، والذي ذكرناه آنفا أوجه من الكل ، والله أعلم . وفيه فضل لين الجانب والرفق .
وفيه فضل عمر رضي الله تعالى عنه . وفيه حلم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - غاية ما يكون . وفيه لا ينبغي الدخول على أحد إلا بعد الاستئذان .