حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى وبث فيها من كل دابة

حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا هشام بن يوسف ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب على المنبر يقول : اقتلوا الحيات ، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر ، فإنهما يطمسان البصر ، ويسقطان الحبل . مطابقته للترجمة من حيث إن ذا الطفيتين من جملة ما يطلق عليه اسم الدابة ، وعبد الله بن محمد هو المعروف بالمسندي ، والحديث أخرجه مسلم في الحيوان عن عبد بن حميد . قوله : ذا الطفيتين بضم الطاء وسكون الفاء : هو ضرب من الحيات في ظهره خطان أبيضان ، والطفية أصلها خوص المقل ، فشبه الخط الذي على ظهر هذه الحية به ، وربما قيل لهذه الحية طفية على معنى ذات طفية ، وقد يسمى الشيء باسم ما يجاوره ، وقيل : هما نقطان حكاه القاضي ، قال الخليل : وهي حية خبيثة .

قوله : والأبتر هو مقطوع الذنب . وقال النضر بن شميل : هو أزرق اللون ، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ، وقيل : الأبتر الحية القصيرة الذنب ، قال الداودي : هو الأفعى التي تكون قدر شبر ، أو أكثر قليلا . قوله : يطمسان البصر يمحوان نوره ، وفي رواية ابن أبي مليكة ، عن ابن عمر : ويذهب البصر .

وفي حديث عائشة فإنه يلتمس البصر . قوله : ويسقطان الحبل ، ويروى ويستسقطان بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة ، وهو الجنين ، وفي رواية ابن أبي مليكة التي تأتي بعد أحاديث ، فإنه يسقط الولد ، وفي رواية عن عائشة ستأتي بعد أحاديث وتصيب الحبل . وفي رواية أخرى عنها وتذهب الحبل والكل بمعنى واحد ، وإنما أمر بقتلها ؛ لأن الجن لا تتمثل بها ولهذا أدخل البخاري حديث ابن عمر في الباب ، ونهى عن قتل ذوات البيوت ؛ لأن الجن تتمثل بها قاله الداودي .

قال عبد الله : فبينا أنا أطارد حية لأقتلها ، فناداني أبو لبابة لا تقتلها ، فقلت : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بقتل الحيات ، قال : إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت ، وهي العوامر . أي قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما . قوله : أطارد حية أي أطلبها وأتبعها لأقتلها ، أي لأن أقتلها .

قوله : فناداني أبو لبابة بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة الأولى ، واسمه رفاعة بكسر الراء وتخفيف الفاء على الأصح ابن عبد المنذر الأوسي النقيب ، قاله الكرماني ، وفي التوضيح اسمه بشير بفتح الباء وكسر الشين المعجمة ابن عبد المنذر بن رفاعة بن زنبور بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس ، رده رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من الروحاء حين خرج إلى بدر واستعمله على المدينة ، وضرب له بسهم وأجره ، وتوفي بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه وأخوه مبشر بن عبد المنذر شهد بدرا وقتل بها ، وأخوهما رفاعة بن عبد المنذر ، شهد العقبة وبدرا ، وقتل بأحد وليس له عقب ، ذكره كله ابن سعد في الطبقات . وقال أبو عمر بشير بن عبد المنذر : أبو لبابة الأنصاري غلبت عليه كنيته ، واختلف في اسمه ، فقيل : رفاعة بن عبد المنذر ، كذا قاله موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، وكذا قال ابن هشام وخليفة ، وقال أحمد بن زهير : سمعت أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان : أبو لبابة اسمه رفاعة بن عبد المنذر ، وقال ابن إسحاق : كان نقيبا شهد العقبة وشهد بدرا ، وزعم قوم أنه والحارث بن حاطب خرجا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر فرجعهما ، وأمر أبا لبابة على المدينة ، وضرب له بسهم مع أصحاب بدر ، قال ابن هشام : ردهما من الروحاء ، وقال أبو عمر : قد استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا لبابة على المدينة أيضا حين خرج إلى غزوة السويق وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا وما بعدها من المشاهد ، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في غزوة الفتح مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنه . قلت : ليس له في الصحيح إلا هذا الحديث .

قوله : قال إنه نهى بعد ذلك أي قال أبو لبابة : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى بعد أمره بقتل الحيات عن قتل ذوات البيوت ، أي الساكنات فيها ، ويقال لها الجنان ، وهي حيات طوال بيض ، قلما تضر ، وفي رواية الترمذي ، عن ابن المبارك : إنها الحية التي تكون كأنها فضة ، ولا تلتوي في مشيتها . قوله : وهي العوامر قيل : إنه من كلام الزهري مدرج في الخبر ، وقد بينه معمر في روايته عن الزهري ، فساق الحديث ، وقال في آخره : وقال وهي العوامر ، سميت بها لطول عمرها ، وقال الجوهري : عمار البيوت سكانها من الجن ، وقيل : سميت بها لطول لبثهن في البيوت ، مأخوذ من العمر بالفتح ، وهو طول البقاء ، وروى مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعا أن لهذه البيوت عوامر ، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليه ثلاثا ، فإن ذهب وإلا فاقتلوه ومعنى فحرجوا عليه أن يقال له أنت في حرج أي ضيق إن لبثت عندنا أو ظهرت لنا أو عدت إلينا ، ومعنى ثلاثا ، أي ثلاث مرات ، وقيل : ثلاثة أيام ، وإن كانت في الصحارى والأودية تقتل من غير إيذان لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم ، فذكر منهن الحية ، وجاء في حديث آخر من تركهن مخافة شرهن فليس منا ، ثم اعلم أن ظاهر الحديث التعميم في البيوت ، وعن مالك تخصيصه ببيوت أهل المدينة ، وقيل : يختص ببيوت المدن دون غيرها . وقال عبد الرزاق عن معمر فرآني أبو لبابة أو زيد بن الخطاب عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، ومعمر هو ابن راشد أراد بهذا أن معمرا روى الحديث عن الزهري بهذا الإسناد على الشك في اسم الذي لقي عبد الله بن عمر أبو لبابة ، أو زيد بن الخطاب هو أخو عمر بن الخطاب لأبيه ، وله في الصحيح هذا الحديث ، استشهد باليمامة ، ورواية عبد الرزاق هذه رواها مسلم ، ولم يسق لفظها ، وساقه أحمد والطبراني من طريقه .

وتابعه يونس وابن عيينة وإسحاق الكلبي والزبيدي أي تابع معمرا يونس بن يزيد على الشك في اسم الذي لقي عبد الله بن عمر هل هو أبو لبابة أو زيد بن الخطاب ، وهذه المتابعة وصلها مسلم ولم يسق لفظها ، وساقه أبو عوانة . قوله : وابن عيينة أي تابع معمرا أيضا في الشك سفيان بن عيينة ، وهذه المتابعة وصلها مسلم ، وقال : حدثني عمرو بن محمد الناقد ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر ، فإنهما يستسقطان الحبل ويلتمسان البصر ، قال : فكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها ، فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حية فقال : إنه قد نهي عن ذوات البيوت . قوله : وإسحاق الكلبي أي تابع معمرا أيضا في الشك إسحاق بن يحيى الكلبي الحمصي .

قوله : والزبيدي أي تابع معمرا أيضا في الشك محمد بن الوليد الزبيدي بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة الحمصي ، وهذه المتابعة وصلها مسلم ، وقال : حدثنا حاجب بن الوليد ، حدثنا محمد بن حرب ، عن الزبيدي ، عن الزهري قال : أخبرني سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يأمر بقتل الكلاب ، يقول : اقتلوا الحيات والكلاب واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يلتمسان البصر ، الحديث . وفيه بينا أنا أطارد حية يوما من ذوات البيوت مر بي زيد بن الخطاب ، أو أبو لبابة إلى آخره . وقال صالح وابن أبي حفصة وابن مجمع عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رآني أبو لبابة وزيد بن الخطاب .

صالح هو ابن كيسان الهذلي وابن أبي حفصة اسمه محمد بن أبي حفصة ، واسم أبي حفصة ميسرة البصري ، وابن مجمع بضم الميم وفتح الجيم وكسر الميم ، وقيل : بفتحها وهو إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد بن حارثة بن عامر بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس الأنصاري المدني ، وهؤلاء الثلاثة رووا الحديث ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر ، وفي روايتهم : رآني أبو لبابة وزيد بن الخطاب بواو الجمع بلا شك ، أما تعليق صالح فوصله مسلم من حديثه عن أبي صالح عن الزهري بهذا الإسناد ، وأشار به إلى الإسناد الذي قبله ، ثم قال : غير أن صالحا قال : حتى رآني أبو لبابة بن عبد المنذر ، وزيد بن الخطاب فقالا : إنه قد نهي عن ذوات البيوت . وأما تعليق ابن أبي حفصة فوصله أبو أحمد بن عدي . وأما تعليق ابن مجمع فوصله البغوي وابن السكن في كتاب الصحابة ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث