باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال
حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، عن خالد ، عن محمد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فقدت أمة من بني إسرائيل ، ولا يدرى ما فعلت ، وإني لا أراها إلا الفأر إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب ، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت ، فحدثت كعبا فقال : أنت سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوله ؟ قلت : نعم ، قال لي مرارا ، فقلت : أفأقرأ التوراة ؟ . وهيب بالتصغير هو ابن خالد ، وخالد هو الحذاء ، ومحمد هو ابن سيرين ، وهؤلاء كلهم بصريون ، والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب ، عن إسحاق بن إبراهيم ، ومحمد بن المثنى ، ومحمد بن عبد الله الأزدي ، قوله : فقدت أمة : أي طائفة منهم فقدوا لا يدرى ما وقع لهم ، قوله : وإني لا أراها : أي لا أظنها مسخها الله إلا الفأر ، وهو جمع فأرة ، قوله : إذا وضع لها إلى قوله : شربت دليل على أن التي مسخت هي الفأر ، أن بني إسرائيل لم يكونوا يشربون ألبان الإبل ، والفأر أيضا لا يشربها ، وقال الترمذي في تفسير سورة يوسف بإسناده ، قال اليهود لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه ؟ قال : اشتكى عرق النساء فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها ، فلذلك حرمهما ، قالوا : صدقت . قوله : الشاء جمع شاة ، قوله : فحدثت كعبا ، وهو كعب بن ماتع بكسر التاء المثناة من فوق المشهور بكعب الأحبار ، قال الكرماني : أسلم في خلافة الصديق ، ومات في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما ، قلت : كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق من آل ذي رعين ، ويقال : من ذي الكلاع ، ثم من بني ميتم ، وهو من مسلمة أهل الكتاب ، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم في خلافة عمر بن الخطاب ، ويقال : في خلافة أبي بكر ، ويقال : أدرك الجاهلية ، وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، وقال ابن سعد : وكان على دين يهود ، فأسلم وقدم المدينة ، ثم خرج إلى الشام ، فسكن حمص حتى توفي بها سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه ، قوله : يقول جملة حالية : أي يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : قال لي مرارا : يعني قال كعب مرارا : أنت سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : قلت القائل هو أبو هريرة : أفأقرأ التوراة ، الهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار .
وفيه تعريض لكعب الأحبار بأنه كان على دين اليهود قبل الإسلام ، والحاصل أن أبا هريرة قال : أنا أقرأ التوراة حتى أنقل منها ، ولا أقول إلا من السماع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي سكوت كعب عن الرد على أبي هريرة دليل على تورعه . وروى مسلم فقال : حدثني أبو كريب محمد بن العلاء قال : حدثنا أبو أسامة عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة قال : الفأرة مسخ ، وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه ، ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه ، قال له كعب : أسمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أفأنزلت علي التوراة ؟ انتهى ، فدل هذا صريحا على أن الفأرة مسخ ، ولم يكن قبل ذلك ، وكذا كل حيوان قيل فيه : إنه مسخ ، وإن ما كان منها بعد المسخ توالد منها . ( فإن قلت ) : جاء في حديث أبي سعيد قال وذكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - القردة والخنازير فقال : إن الله تعالى لم يجعل المسخ نسلا ولا عقبا ، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك ، قلت : أبو هريرة وكعب لم يبلغهما هذا الحديث ، فدل على أن المسوخ كانت قبل ما وقع من ذلك ، ولهذا قال ابن قتيبة : أنا أظن أن القردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها توالدت إلا أن يصح هذا الحديث ، وأراد به حديث أبي سعيد المذكور وهو صحيح ، والظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال الذي قاله أولا ، ثم أعلم بعد بما رواه أبو سعيد ، ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم : لا أراها إلا الفأر ، فكأنه كان يظن ذلك ، ثم أعلم بأنها ليست هي هي .
.