باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء
( باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ؛ فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء . 119 - حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان بن بلال قال : حدثني عتبة بن مسلم قال : أخبرني عبيد بن حنين قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه ؛ فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء .
مطابقته للترجمة ظاهرة ، فإنه لا فرق بينهما غير أنه لم يذكر في الترجمة لفظ ثم لينزعه . . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : خالد بن مخلد بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة ، وفي آخره دال أبو الهيثم البجلي الكوفي .
الثاني : سليمان بن بلال أبو أيوب القرشي التيمي . الثالث : عتبة بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة ابن مسلم مولى بني تميم المديني . الرابع : عبيد بن حنين ، كلاهما بالتصغير ، وحنين بضم الحاء المهملة وفتح النون الأولى أبو عبد الله مولى زيد بن الخطاب القرشي العدوي .
الخامس : أبو هريرة . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الطب ، عن قتيبة ، عن إسماعيل بن جعفر ، وأخرجه ابن ماجه في الطب قال : حدثنا سويد بن سعيد قال : حدثنا مسلم بن خالد ، عن عتبة بن مسلم عن عبيد بن حنين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : " إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فيه ثم ليطرحه ؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء " . وأخرجه عن أبي سعيد أيضا وقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن خالد ، عن أبي سلمة قال : حدثني أبو سعيد أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : " أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء ، فإذا وقع في الطعام فامقلوه فيه ، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء " .
وأخرجه النسائي مختصرا ،
وروى الدارقطني من حديث سعيد بن المسيب ، عن سليمان نحوه ، ومن بإسناد ضعيف، وروى أبو داود أيضا من حديث المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ؛ فإن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء ، وإنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء فيغمسه كله " ويروى فليغمسه كله . ( ذكر معناه ) قوله : " إذا وقع الذباب " الذباب جمع ذبابة قاله ابن التين ، وفي المنتهى : الذب بالضم الذباب ، وجمع الذباب ذبان ، ولا تقل ذبانة ، والجمع القليل أذبة كغراب وأغربة وغربان ، وقال أبو هلال العسكري : الذباب واحد ، والجمع ذبان ، والعامة تقول : ذبانة للواحد ، والذبان للجمع وهو خطأ . وقال أبو حاتم السجستاني تقول : هذا ذباب للواحد وذبابان في التثنية ، ولا يقال : ذبابة ولا ذبانة ، وقال ابن سيده في المحكم : لا يقال ذبابة إلا أن أبا عبيدة رواه عن الأحمر ، والصواب ذباب ، وفي التنزيل : وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا فسروه بالواحد ، وحكى سيبويه عن العرب ذب في جمع ذباب ، وقال الجوهري : الذباب معروف ، الواحدة ذبابة ، ولا تقل : ذبانة ، وجمع القلة أذبة ، والكثرة ذبان .
وقال أبو عبيد : أرض مذبة ذات ذباب ، وقال الفراء : أراض مذبوبة كما يقال موحوشة من الوحش ، والمذبة ما يذب به الذباب . وقال الجاحظ : عمر الذباب أربعون يوما وهو في النار وليس تعذيبا له ، وإنما يعذب به أهل النار ؛ لوقوعه عليهم ، فإنه لا شيء أضر على المكلوم من وقوعه على كلمه . قوله : " في شراب أحدكم " الشراب هنا يدخل فيه كل المائعات ، قال تعالى : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ قلت : قد ذكرنا آنفا أن في رواية أبي داود : " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم " ، والإناء يكون فيه كل شيء من المأكولات والمشروبات ، قوله : " فليغمسه " من غمسه في الماء إذا غطه فيه وأدخله ، وفي رواية ابن ماجه : " فامقلوه فيه " من المقل بالقاف وهو الغمس .
قال أبو عبيد : أي اغمسوه في الطعام أو الشراب ؛ ليخرج الشفاء كما أخرج الداء ، وذلك بإلهام الله تعالى ، وفي المغرب في الحديث إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه ، فإن في أحد جناحيه سما وفي الآخر شفاء ، هكذا في الأصول ، وأما فامقلوه ثم انقلوه فمصنوع ، قلت في ج١٥ / ص٢٠١غالب كتب أصحابنا وقع مثل ما قال ، والصحيح فامقلوه فيه ، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء كما في رواية ابن ماجه وغيره ، وليس فيه ثم انقلوه ، نعم في رواية البخاري ثم لينزعه ، وهو يؤدي معنى فانقلوه . قوله : " فإن في إحدى جناحيه " الجناح حقيقة للطائر ، وإذا استعمل في غيره يكون بطريق الاستعارة ، قال الله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ وفي غالب النسخ : فإن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء بتذكير أحد ، ووجه تأنيثها باعتبار أن جناح الطائر يده ، والتأنيث باعتبار اليد ، قوله : " والأخرى شفاء " الثابت في كثير من النسخ وفي الأخرى بإعادة حرف الجر ، وتركها يدل على جواز العطف على عاملين وهو رأي الأخفش والكوفيين ، فحينئذ تكون الأخرى مجرورا عطفا على في إحدى ، ويكون نصب شفاء مثل نصب داء ، والعامل في إحدى حرف الجر الذي هو لفظ في ، والعامل في داء كلمة إن ، فقد شركت الواو في العطف على العاملين اللذين هما : في ، وإن ، وسيبويه لا يجوز ذلك ، يؤيده رواية إثبات حرف الجر في قوله : " وفي الأخرى " وقيل : يروى شفاء بالرفع ، فعلى هذا يخرج الكلام عن العطف على عاملين ، ولكنه على هذا يحتاج إلى حذف مضاف تقديره : ذو شفاء ؛ لأن لفظ الآخر أو الأخرى يكون مبتدأ وشفاء خبره ، ولعدم صحة الحمل يقدر المضاف ، وقال أبو محمد المالقي في جامعه : ذباب الناس يتولد من الزبل ، فإن أخذ الذباب الكبير وقطعت رؤوسها ، ويحك بجسدها الشعرة التي في الأجفان حكا شديدا فإنه يبرئه ، وإن سحق الذباب بصفرة البيض سحقا ناعما ، وضمدت بها العين التي فيها اللحم الأحمر من داخل فإنه يسكن في ساعته ، وإن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن وجعه ، انتهى . قال الخطابي : ما ملخصه قال بعض الجهلة المعاندين : كيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذباب ، وكيف تعلم الذباب ذلك من نفسها حتى تقدم الداء وتؤخر الدواء ، وما أداها إلى ذلك ؟ .
ورد عليهم بأن عامة الحيوان جمعت فيها بين الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة في أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت ، لولا تأليف الله لها ، والذي ألهم النحلة وشبهها من الحيوان إلى بناء البيوت ، وادخار القوت هو الملهم للذباب ما تراه في الكتاب .