حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قصة يأجوج ومأجوج

( باب قصة يأجوج ومأجوج . أي : هذا باب في بيان قصة يأجوج ومأجوج . يأجوج رجل ، ومأجوج كذلك ابنا يافث بن نوح عليه الصلاة والسلام ، كذا ذكره عياض مشتقان من تأجج النار وهي حرارتها ، سموا بذلك لكثرتهم وشدتهم ، وهذا على قراءة من همز ، وقيل : من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة ، وقيل : هما اسمان أعجميان غير مشتقين ، وفي المنتهى من همزهما ، جعل وزن يأجوج يفعولا من أجيج النار ، أو الظليم وغيرهما ، ومأجوج مفعولا ، ومن لم يهمزهما جعلهما عجميين ، وقال الأخفش : من همزهما جعل الهمزة أصلية ، ومن لم يهمزهما جعل الألفين زائدتين ، بجعل يأجوج فاعولا من يججت ، ومأجوج فاعولا من مججت الشيء في فمي .

وقال الزمخشري : يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان ، بدليل منع الصرف ، قلت : العلة في منع الصرف العجمة والعلمية ، وهم من ذرية آدم بلا خلاف ، ولكن اختلفوا ، فقيل : إنهم من ولد يافث بن نوح عليه الصلاة والسلام ، قاله مجاهد ، وقيل : إنهم جيل من الترك قاله الضحاك ، وقيل : يأجوج من الترك ، ومأجوج من الجيل والديلم ذكره الزمخشري . وقيل : هم من الترك مثل المغول ، وهم أشد بأسا ، وأكثر فسادا من هؤلاء ،

وقيل : هم من آدم ، ولكن من غير حواء ؛ لأن آدم نام فاحتلم فامتزجت نطفته بالتراب ، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه ، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج ، وهم متعلقون بنا من جهة الأب دون الأم ، حكاه الثعلبي ، عن كعب الأحبار ، وحكاه النووي أيضا في شرح مسلم وغيره ، ولكن العلماء ضعفوه . وقال ابن كثير وهو جدير بذلك إذ لا دليل عليه ، بل هو مخالف لما ذكروا من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح عليه الصلاة والسلام بنص القرآن
.

( قلت ) : جاء في الحديث أيضا امتناع الاحتلام على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقال نعيم بن حماد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثني سليمان بن عيسى قال : بلغني أنهم عشرون أمة يأجوج ومأجوج ، ويأجيج وأجيج ، والغيلانين ، والغسلين ، والقرانين ، والقوطنيين وهو الذي يلتحف أذنيه ، والقريطيين ، والكنعانيين ، والدفرانين ، والجاجونين ، والأنطارنين ، واليعاسين ، ورؤوسهم رؤوس الكلاب ،

وعن عبد الله بن عمر بإسناد جيد : الإنس عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء يأجوج ومأجوج ، وسائر الناس جزء واحد .
وعن عطية بن حسان أنهم أمتان في كل أمة أربعمائة ألف أمة ليس فيها أمة تشبه الأخرى ، وذكر القرطبي مرفوعا : يأجوج أمة لها أربعمائة أمير ، وكذلك مأجوج صنف منهم طوله مائة وعشرون ذراعا ، ويروى أنهم يأكلون جميع حشرات الأرض من الحيات والعقارب ، وكل ذي روح من الطير ، وغيره ، وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام الواحد يتداعون تداعي الحمام ، ويعوون عواء الكلاب ، ومنهم من له قرن وذنب وأنياب بارزة يأكلون اللحم النية . وقال ابن عبد البر في كتاب الأمم هم أمة لا يقدر أحد على استقصاء ذكرهم ؛ لكثرتهم ومقدار الربع العامر مائة وعشرون سنة ، وأن تسعين منها ليأجوج ومأجوج وهم أربعون أمة مختلفو الخلق والقدود ، في كل أمة ملك ولغة ومنهم من مشيه وثب ، وبعضهم يغير على بعض ، ومنهم من لا يتكلم إلا همهمة ، ومنهم مشوهون ، وفيهم شدة وبأس ، وأكثر طعامهم الصيد ، وربما أكل بعضهم بعضا .

وذكر الباجي عن عبد الرحمن بن ثابت قال : الأرض خمسمائة عام منها ثلاثمائة بحور ومائة وتسعون ليأجوج ومأجوج وسبع للحبشة ، وثلاث لسائر الناس ، وروى ابن مردويه في تفسيره عن أحمد بن كامل ، حدثنا محمد بن سعد العوفي ، حدثنا أبي ، حدثنا عمي ، حدثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس ، عن أبي سعيد الخدري ، قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر يأجوج ومأجوج : " لا يموت الرجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل " ، وبإسناده عن ج١٥ / ص٢٣٣حذيفة مرفوعا : " يأجوج أمة ، ومأجوج أربعمائة أمة ، كل أمة أربعمائة ألف رجل ، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه ، كلهم قد حملوا السلاح " الحديث . وذكر أبو نعيم أن صنفا منهم أربعة أذرع طولا وأربعة أذرع عرضا ، يأكلون مشائم نسائهم ، وعن علي - رضي الله تعالى عنه - : صنف منهم في طول شبر ، له مخاليب وأنياب السباع ، وتداعي الحمام ، وعواء الذئب ، وشعور تقيهم الحر والبرد ، وآذان عظام ، أحدهما فروة يشتون فيها ، والأخرى جلدة يصيفون فيها . وفي التذكرة : وصنف منهم كالأرز طولهم مائة وعشرون ذراعا ، وصنف منهم يفترش أذنه ، ويلتحف بالأخرى ، ويأكلون من مات منهم .

وعن كعب الأحبار : إن التنين إذا آذى أهل الأرض نقله الله تعالى إلى يأجوج ومأجوج ، فجعله رزقا لهم ، فيجزرونها كما يجزرون الإبل والبقر ، ذكره نعيم بن حماد في كتاب الفتن ، وروى مقاتل بن حيان عن عكرمة مرفوعا : " بعثني الله ليلة أسرى بي إلى يأجوج ومأجوج ، فدعوتهم إلى دين الله تعالى فأبوا أن يجيبوني فهم في النار مع من عصى من ولد آدم وولد إبليس . وقول الله تعالى : قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وقول الله بالجر عطفا على لفظ قصة يأجوج ومأجوج . وذو القرنين المذكور في القرآن المذكور في ألسنة الناس بالإسكندر ليس الإسكندر اليوناني فإنه مشرك ، ووزيره أرسطاطاليس ، والإسكندر المؤمن الذي ذكره الله في القرآن اسمه عبد الله بن الضحاك بن معد ، قاله ابن عباس ، ونسب هذا القول أيضا إلى علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وقيل : مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان ، وقد جاء في حديث أنه من حمير ، وأمه رومية ، وأنه كان يقال له : ابن الفيلسوف لعقله ، وذكر ابن هشام أن اسمه الصعب بن مراثد ، وهو أول التبابعة ، وقال مقاتل : من حمير وفد أبوه إلى الروم ، فتزوج امرأة من غسان ، فولدت له ذا القرنين عبدا صالحا .

وقال وهب بن منبه : اسمه الإسكندر ، ( قلت ) : ومن هنا يشارك الإسكندر اليوناني في الاسم ، وكثير من الناس يخطئون في هذا ، ويزعمون أن الإسكندر المذكور في القرآن هو الإسكندر اليوناني ، وهذا زعم فاسد ؛ لأن الإسكندر اليوناني الذي بنى الإسكندرية كافر مشرك ، وذو القرنين عبد صالح ملك الأرض شرقا وغربا حتى ذهب جماعة إلى نبوته ، منهم الضحاك ، وعبد الله بن عمر ، وقيل : كان رسولا ، وقال الثعلبي : والصحيح - إن شاء الله - كان نبيا غير مرسل ، ووزيره الخضر عليه الصلاة والسلام فأنى يتساويان ؟ . واختلفوا في زمانه فقيل : في القرن الأول من ولد يافث بن نوح عليه الصلاة والسلام ، قاله علي - رضي الله تعالى عنه - ، وأنه ولد بأرض الروم ، وقيل : كان بعد نمرود - لعنه الله - ، قاله الحسن ، وقيل : إنه من ولد إسحاق من ذرية العيص قاله مقاتل ، وقيل : كان في الفترة بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وقيل : في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، والأصح أنه كان في أيام إبراهيم الخليل عليه السلام ، واجتمع به في الشام ، وقيل : بمكة ، ولما فاته عين الحياة وحظي بها الخضر عليه السلام اغتم غما شديدا ، فأيقن بالموت ، فمات بدومة الجندل ، وكان منزله ، هكذا روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - ، وقيل : بشهر زور ، وقيل : بأرض بابل ، وكان قد ترك الدنيا وتزهد ، وهو الأصح ، وقيل : مات بالقدس ، ذكره في فضائل القدس لأبي بكر الواسطي الخطيب ، وكان عدد ما سار في الأرض في البلاد منذ يوم بعثه الله تعالى إلى أن قبض خمسمائة عام . وقال مجاهد : عاش ألف سنة مثل آدم عليه الصلاة والسلام ، وقال ابن عساكر : بلغني أنه عاش ستا وثلاثين سنة ، وقيل : ثنتين وثلاثين سنة .

واختلف لم سمي ذا القرنين ، فعن علي - رضي الله تعالى عنه - لما دعا قومه ضربوه على قرنه الأيمن ، فمات ، ثم بعث ، ثم دعاهم فضربوه على الأيسر فمات ثم بعث . وقيل : لأنه بلغ قطري الأرض المشرق والمغرب ، وقيل : لأنه ملك فارس والروم ، وقيل : كان ذا ضفيرتين من شعر ، والعرب تسمي الخصلة من الشعر قرنا ، وقيل : كانت له ذؤابتان ، وقيل : كان لتاجه قرنان ، وعن مجاهد كانت صفحتا رأسه من نحاس ، وقيل : كان في رأسه شبه القرنين ، وقيل : لأنه سلك الظلمة والضوء قاله الربيع ، وقيل : لأنه أعطي علم الظاهر والباطن حكاه الثعلبي . وقول الله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا ج١٥ / ص٢٣٤إلى قوله : آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ وقول الله تعالى بالجر عطفا على قول الله الأول ، وفي بعض النسخ باب قول الله تعالى إلى آخره ، ورواية أبي ذر إلى قوله : سَبَبًا وساق غيره الآية ثم اتفقوا إلى قوله : آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ وبعد قوله سَبَبًا هو قوله : فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قوله : " ويسألونك " السائلون هم اليهود ، سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على جهة الامتحان ، وقيل : سأله أبو جهل وأشياعه ، قوله : " قل " خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ قال الزمخشري : الخطاب لأحد الفريقين ، قوله : مِنْهُ ذِكْرًا أي من أخباره ، قوله : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي من أسباب كل شيء أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه ، ويقال : سهلنا عليه الأمر في السير في الأرض حتى بلغ مشارقها ومغاربها ، قال علي رضي الله تعالى عنه : سخر الله له السحاب فحمل عليه وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء ، قوله : وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا أي علما يتسبب به إلى ما يريد ، قاله ابن عباس ، وقيل : علما بالطرق والمسالك ، فسخرنا له أقطار الأرض كما سخر الريح لسليمان عليه السلام ، وقيل : جعل له في كل أمة سلطانا وهيبة ، وقيل : ما يستعين به على لقاء العدو .

ووقع في بعض نسخ البخاري بعد قوله سَبَبًا طريقا ، قوله : فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي ذات حمأة ، ومن قرأ حامية فمعناه مثله ، وقيل : حارة ، ويجوز أن تكون حارة وهي ذات حمأة ، قوله : وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا أي عند العين أو عند نهاية العمارة قوما لباسهم جلود السباع وليس لهم طعام إلا ما أحرقته الشمس من الدواب إذا غربت نحوها ، وما لفظت العين من الحيتان إذا وقعت . وعن ابن السائب : هناك قوم مؤمنون وقوم كافرون ، قوله : قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ من قال : إنه نبي ، قال : هذا القول وحي . ومن منع قال : إنه إلهام .

قوله : إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قال الزمخشري : كانوا كفرة فخيره الله تعالى بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم ، فقال : أما من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك فذلك هو المعذب في الدارين ، قوله : أَمَّا مَنْ ظَلَمَ أي أشرك ، قوله : فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا أي منكرا ، وقال الحسن : كان يطبخهم في القدر ، قوله : وَأَمَّا مَنْ آمَنَ أي ترك الكفر وعمل صالحا في إيمانه فله جزاء الحسنى أي الجنة ، قوله : " يُسْرًا " أي قولا جميلا ، قوله : ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا أي طريقا آخر يوصله إلى المشرق ، قوله : لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا أي من دون الشمس سترا لأنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه البناء ، وكانوا في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى معايشهم وحروثهم ، وقال الحسن : كانت أرضهم على شاطئ البحر على الماء لا يحتمل البناء ، فإذا طلعت عليهم الشمس دخلوا في الماء وإذا ارتفعت عنهم خرجوا ، قوله : " كذلك " أي كما وجد قوما عند مغرب الشمس وحكم فيهم وجد قوما عند مطلعها وحكم فيهم كذلك ، قوله : وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ أي من الجنود والآلات وأسباب الملك ، قوله : خُبْرًا قال الزمخشري : تكثيرا ، وقال ابن الأثير : الخبر النصيب ، قوله : ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا أي طريقا بين المشرق والمغرب ، قوله : حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ أي الجبلين وجد من دونهما قوما يعني أمام السد ، قال الزمخشري : القوم الترك . قوله : لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا لأنهم لا يعرفون غير لغتهم ثم نذكر بقية التفسير في ألفاظ البخاري . واحدها زبرة وهي القطع .

ج١٥ / ص٢٣٥حتى إذا ساوى بين الصدفين ، يقال : عن ابن عباس الجبلين والسدين الجبلين . قرأ أبان : " حتى إذا سوى " بتشديد الواو بحذف الألف ، وقال أبو عبيدة : قوله : بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أي ما بين الناحيتين من الجبلين والصدفين بضمتين وفتحتين وضمة وسكون وفتحة وضمة ، قوله : " يقال عن ابن عباس " تعليق بصيغة التمريض ، ووصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، والسدين بضم السين وفتحها بمعنى واحد قاله الكسائي ، وقال أبو عمرو بن العلاء : ما كان من صنع الله فبالضم وما كان بصنع الآدمي فبالفتح ، وقيل : بالفتح ما رأيته وبالضم ما توارى عنك .

خرجا أجرا .

. قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا أصبب عليه رصاصا ، ويقال : الحديد ، ويقال : الصفر ، وقال ابن عباس : النحاس .

. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ يعلوه ، اسطاع استفعل من أطعت له ؛ فلذلك فتح أسطاع يسطيع ، وقال بعضهم : استطاع يستطيع وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قوله فَمَا اسْطَاعُوا أي فما قدروا أن يظهروه أي يعلوه ، من قولهم : ظهرت فوق الجبل إذا علوته .

وهكذا فسره أبو عبيدة . قوله : " اسطاع " استفعل أشار به إلى أن فما اسطاعوا الذي هو بفتح الهمزة وسكون السين بلا تاء مثناة من فوق جمع مفرده اسطاع ، وزنه في الأصل استفعل لأنه من طعت بضم الطاء وسكون العين لأنه من باب فعل يفعل مثل نصر ينصر ولكنه أجوف واوي لأنه من الطوع ، يقال : طاع له وطعت له مثل قال له وقلت له ، ولما نقل طاع إلى باب الاستفعال صار استطاع على وزن استفعل ، ثم حذفت التاء للتخفيف بعد نقل حركتها إلى الهمزة فصار اسطاع بفتح الهمزة وسكون السين ، وأشار إلى هذا بقوله : فلذلك فتح اسطاع ، أي فلأجل حذف التاء ونقل حركتها إلى الهمزة ، قيل : اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وفتح الياء في المستقبل ، ولكن بعضهم قال : في المستقبل بضم الياء ، فمن فتح الياء في المستقبل جعله من طاع يطيع ومن ضمها جعله من طاع يطوع ، يقال : أطاعه يطيعه فهو مطيع ، وطاع له يطوع ويطيع فهو طائع أي أذعن له وانقاد ، والاسم الطاعة والاستطاعة القدرة على الشيء . قوله : وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا وهو من قوله تعالى بعد قوله : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ذكره إشارة إلى أن التصرف المذكور كان في قوله : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وأما قوله : وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا فعلى الأصل من باب الاستفعال ، قوله " نَقْبًا " يعني لم يتمكنوا أن ينقبوا السد من أسفله لشدته وصلابته ، ولم أر شارحا حرر هذا الموضع كما ينبغي ، فالحمد لله على ما أولانا من نعمه .

قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ألزقه بالأرض ، وناقة دكاء لا سنام ج١٥ / ص٢٣٦لها ، والدكداك من الأرض مثله حتى صلب من الأرض وتلبد وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ هذا إشارة إلى السد ، أي هذا السد رحمة من الله على عباده ونعمة عظيمة ، قال الزمخشري : أي هذا الإقدار والتمكين من تسويته ، قوله : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي يعني فإذا دنا يوم القيامة وشارف أن يأتي جعله دكا أي ألزقه بالأرض يعني جعله مدكوكا مستويا بالأرض مبسوطا ، وكل ما انبسط بعد الارتفاع فقد اندك ، وقرئ دكاء بالمد أي أرضا مستوية ، قوله : " وناقة دكاء " أي لا سنام لها ، وكذلك يقال جمل أدك إذا كان منبسط السنام ، قوله : " والدكداك من الأرض مثله " أي الملزق بالأرض المستوي بها . وقال الجوهري : والدكداك من الرمل ما تلبد منه بالأرض ولم يرتفع ، قوله : وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا هذا آخر حكاية قول ذي القرنين ، قوله : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ابتداء كلام آخر أي وتركنا بعض الخلق يوم القيامة يموج أي يضطرب ويختلط بعضهم في بعض وهم حيارى من شدة يوم القيامة ، ويجوز أن يكون الضمير في بعضهم ليأجوج ومأجوج وأنهم يموجون حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد ، وروي أنهم يأتون البحر ويشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ، ومن ظفروا به ممن لم يتحصن من الناس ولا يأتون مكة والمدينة وبيت المقدس . هكذا ذكره الزمخشري في هذه الآية ، وروى الترمذي من حديث السدي عن أبي هريرة .

وفيه : " فيخرجون على الناس فيستقون المياه " وفي تفسير مقاتل : فإذا خرجوا فيشرب أولهم دجلة والفرات حتى يمر آخرهم ، فيقول : قد كان هاهنا ماء . حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ قال قتادة : حدب أكمة . وفي بعض النسخ قبل هذا باب حتى إذا فتحت إلى آخره ، كلمة " حتى " حرف ابتداء بسبب إذا لأنها تقتضي جوابا هو المقصود ذكره ، قيل : جوابه وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ والواو زائدة نظيره حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وقيل : جوابه في قوله : يَا وَيْلَنَا بعده التقدير قَالُوا يَا وَيْلَنَا وليست الواو زائدة .

وقيل : الجواب في قوله : " فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ " ، وقرأ ابن عامر : " فتحت " بالتشديد والباقون بالتخفيف ، والمعنى حتى إذا فتحت سد يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد ، وهم من كل حدب أي نشر من الأرض ، وفسره قتادة بقوله : حدب أكمة ، قوله : " يَنْسِلُونَ " أي يسرعون من النسلان ، وهو مقاربة الخطى مع الإسراع كمشي الذئب إذا بادر والعسلان بالعين المهملة مثله . قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : رأيت السد مثل البرد المحبر ، قال : رأيته ؟ هذا التعليق وصله ابن أبي عمر من طريق سعيد عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم : يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج ، قال : " كيف رأيته ؟ " قال : مثل البرد المحبر طريقة حمراء وطريقة سوداء ، قال : " قد رأيته " . ورواه الطبراني من طريق سعيد ، عن قتادة ، عن رجلين ، عن أبي بكرة أن رجلا أتى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال .

فذكر نحوه ، وأخرجه البزار من طريق يوسف بن أبي مريم الحنفي عن أبي بكرة أن رجلا رأى السد فساقه مطولا ، وأخرجه ابن مردويه أيضا في تفسيره عن سليمان بن أحمد ، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى ، حدثنا أبو الجماهير ، حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن رجلين ، عن أبي بكرة الثقفي أن رجلا أتى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، إني قد رأيته يعني السد ، فقال : كيف هو ؟ قال : كالبرد المحبر ، قال : قد رأيته . قال : وحدثنا قتادة أنه قال : طريقة حمراء من نحاس وطريقة سوداء من حديد ، قوله : " مثل البرد " بضم الباء هو نوع من الثياب معروف والجمع أبراد وبرود ، والبردة الشملة المخططة ، قوله : " المحبر بضم الميم وبالحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة المفتوحة وهو خط أبيض وخط أسود أو أحمر ، قوله : " قال رأيته " أي رأيته صحيحا وأنت صادق في ذلك ، وقال نعيم بن حماد في كتاب الفتن : حدثنا مسلمة بن علي ، حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، قال رجل : يا رسول الله ، قد رأيت الردم وأن الناس يكذبوني ، فقال : كيف رأيته ؟ قال رأيته كالبرد المحبر ، قال : صدقت ، والذي نفسي بيده لقد رأيته ليلة الإسراء لبنة من ذهب ولبنة من رصاص . وقال الحوفي في تفسيره بعدما بين ج١٥ / ص٢٣٧الجبلين مائة فرسخ ، فلما أخذ ذو القرنين في عمله حفر له أساسا حتى بلغ الماء وجعل عرضه خمسين فرسخا وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس المذاب ، فبقي كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب ، وجعل خلاله عرقا من نحاس فصار كأنه برد محبر .

19 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة حدثته ، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان ، عن زينب ابنة جحش رضي الله عنهن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فزعا يقول : لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها . قالت زينب ابنة جحش : فقلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث . مطابقته للترجمة ظاهرة .

( ذكر رجاله وهم ثمانية : الأول : يحيى بن بكير وهو يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المخزومي . الثاني : الليث بن سعد رضي الله تعالى عنه . الثالث : عقيل بضم العين ابن خالد مولى عثمان بن عفان .

الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : عروة بن الزبير بن العوام . السادس : زينب بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - أخت عمر بن أبي سلمة ، وأمهما أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - .

السابع : أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان واسمه صخر بن حرب بن أمية زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - . الثامن : زينب ابنة جحش بن رباب أم المؤمنين زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع .

وفيه العنعنة في خمسة مواضع . وفيه القول في موضع واحد . وفيه أن شيخه والليث مصريان وأن عقيلا أيلي والبقية مدنيون .

وفيه ثلاث صحابيات يروي بعضهن عن بعض وهو نادر ، وأندر منه ما في إحدى روايات مسلم أربع من الصحابيات وهو أنه روى أولا ، وقال : حدثني عمرو الناقد ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن زينب بنت أم سلمة ، عن أم حبيبة ، عن زينب بنت جحش أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استيقظ من نومه وهو يقول : لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه . وعقد سفيان بيده عشرة . الحديث .

ثم روى وقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عمرو الأشعثي وزهير بن حرب وابن أبي عمر ، قالوا : حدثنا سفيان عن الزهري بهذا الإسناد وزادوا في الإسناد عن سفيان ، فقالوا : عن زينب بنت أبي سلمة ، عن حبيبة ، عن أم حبيبة ، عن زينب بنت جحش . وأخرجه الترمذي أيضا وقال : حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد قالوا : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن حبيبة ، عن أم حبيبة ، عن زينب بنت جحش قالت : " استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نومه محمرا وجهه وهو يقول : لا إله إلا الله . يرددها ثلاث مرات ، وهو يقول : ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد عشرا .

" الحديث . وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري إلى آخره نحوه . وفيه " وعقد بيده عشرة " ، وقال الترمذي : قال الحميدي عن سفيان بن عيينة : حفظت من الزهري في هذا الإسناد أربع نسوة : زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة وهما ربيبتا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوجي النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال الترمذي أيضا : وروى معمر هذا الحديث عن الزهري ولم يذكر فيه عن حبيبة ، قلت : ذكر أبو عمر في الاستيعاب في كتاب النساء ، فقال : حبيبة بنت أبي سفيان ، وقال أبان بن صمغة سمع محمد بن سيرين يقول : حدثتني حبيبة بنت أبي سفيان ، سمعت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : من مات له ثلاثة من الولد لم يرو عنها غير محمد بن سيرين ، ولا يعرف لأبي سفيان ابنة يقال لها حبيبة والذي أظنها حبيبة بنت أم حبيبة ابنة أبي سفيان ، ثم ذكر أبو عمر الحديث الذي رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة تأكيدا لما قاله أن حبيبة بنت أم حبيبة أم المؤمنين وليست بنت أبي سفيان ، وقال النووي : وحبيبة هذه هي بنت أم حبيبة أم المؤمنين بنت أبي سفيان . ج١٥ / ص٢٣٨ولدتها من زوجها عبد الله بن جحش الذي كانت عنده قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأخرج البخاري هذا الحديث أيضا في كتاب الفتن ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا ابن عيينة أنه سمع الزهري ، عن عروة ، عن زينب بنت أم سلمة ، عن أم حبيبة ، عن زينب ابنة جحش أنها قالت : استيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - من النوم محمرا وجهه وهو يقول : " لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه . وعقد سفيان تسعين أو مائة .

" الحديث . وأخرجه أيضا في آخر كتاب الفتن عن أبي اليمان إلى آخره ، وليس فيهما ذكر حبيبة ، وكذلك أخرجه في علامات النبوة عن أبي اليمان . ( ذكر معناه ) ، قوله : " دخل عليها " أي على زينب بنت جحش ، قوله : " فزعا " نصب على الحال ، وإنما دخل عليها على هذه الحالة خشية أن يدركه وقتهم لما فيه من الهرج وهلاك الدين ، قوله : " ويل للعرب " كلمة ويل للحزن والهلاك والمشقة من العذاب ، وكل من وقع في الهلكة دعا بالويل ، وإنما خص العرب لاحتمال أنه أراد ما وقع من قتل عثمان بينهم ، وقيل : يحتمل أنه أراد ما سيقع من مفسدة يأجوج ومأجوج ويحتمل أنه أراد ما وقع من الترك من المفاسد العظيمة في بلاد المسلمين وهم من نسل يأجوج ومأجوج ، قوله : " قد اقترب " جملة في محل الجر لأنه صفة لقوله من شر ، قوله : " من ردم " أي من سد مأجوج ومأجوج ، يقال : ردمت الثلمة أي سددتها الاسم والمصدر سواء ، وذلك أنهم يحفرون كل يوم حتى لا يبقى بينهم وبين أن يخرقوا النقب إلا يسيرا فيقولون : غدا نأتي فنفرغ منه فيأتون بعد الصباح فيجدونه عاد كهيئته ، فإذا جاء الوقت قالوا عند المساء : غدا إن شاء الله نأتي فنفرغ منه فينقبونه ويخرجون .

أخرجه ابن مردويه في تفسيره من حديث أبي هريرة وحذيفة ، وفي تفسير مقاتل : يغدون إليه في كل يوم فيعالجون حتى يولد فيهم رجل مسلم فإذا غدوا عليه قال لهم المسلم : قولوا بسم الله فيعالجونه حتى يتركونه رقيقا كقشر البيض ويرى ضوء الشمس ، فيقول المسلم : قولوا : بسم الله غدا نرجع إن شاء الله تعالى فنفتحه . " الحديث ، قوله : " وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها " يعني جعل الأصبع السبابة في أصل الإبهام وضمها حتى لم يبق بينهما إلا خلل يسير وهو من تواضعات الحساب ، وظاهر هذا يدل على أن الذي فعل هذا هو النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد مر في حديث مسلم من طريق سفيان بن عيينة وعقد سفيان بيده عشرة ، وفي رواية البخاري أيضا في كتاب الفتن : وعقد سفيان تسعين أو مائة ، ويأتي عن قريب في حديث زينب أيضا : فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق أصبعيه والتي تليها . " الحديث ولم يذكر شيئا غير هذا ، ويأتي أيضا في حديث أبي هريرة قال : فتح الله من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وعقد بيده تسعين ، وظاهر هذا أيضا أن الذي عقد هو النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وجاء في رواية مسلم عن أبي هريرة من طريق وهيب ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه عنه ، وفيه : وعقد وهيب بيده تسعين .

وهذه الرواية تصرح بأن العاقد هو وهيب وهاهنا ثلاثة أشياء : الأول : في اختلاف العاقد . والثاني : في اختلاف العدد . والثالث : أن هذا الحديث يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " ، فالجواب عن الأول بما أشار إليه كلام ابن العربي أن نفس العقد مدرج وليس من قوله صلى الله عليه وسلم ، وإنما الرواة عبروا عن الإشارة التي في قوله صلى الله عليه وسلم مثل هذه في حديث الباب وغيره ، وذلك لأنهم شاهدوا تلك الإشارة ، والجواب عن الثاني ما قاله عياض : المراد أن التقريب بالتمثيل لا حقيقة التحديد ، والجواب عن الثالث أن قوله صلى الله عليه وسلم : " إنا أمة " الحديث لبيان صورة خاصة معينة ، قوله : " أنهلك ؟ " بالنون وكسر اللام على الصحيح ويروى بالضم ، قوله : " الخبث " ، قال الكرماني : الخبث بفتح الخاء والباء الموحدة ، وفسره الجمهور بالفسوق والفجور ، وقيل : المراد الزنا خاصة ، وقيل : أولاد الزنا ، والظاهر أنه المعاصي مطلقا وأن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون ، انتهى - .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث