باب قول الله عز وجل وهل أتاك حديث موسى
حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف ، أخبرنا معمر ، عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي رأيت موسى وإذا هو رجل ضرب رجل كأنه من رجال شنوءة ، ورأيت عيسى فإذا هو رجل ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس وأنا أشبه ولد إبراهيم به ، ثم أتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر فقال اشرب أيهما شئت ، فأخذت اللبن فشربته ، فقيل أخذت الفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك مطابقته للترجمة في قوله : رأيت موسى عليه السلام ، والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن رافع وعبد بن حميد ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمود بن غيلان به . قوله : ورأيت قال الطيبي لعل أرواحهم مثلت له - صلى الله عليه وسلم - بهذه الصور ، ولعل صورهم كانت كذلك ، أو صور أبدانهم كوشفت له في نوم أو يقظة ، قوله : ضرب بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء وبالباء الموحدة أي نحيف خفيف اللحم ، قوله : شنوءة بفتح الشين المعجمة وضم النون وفتح الهمزة وهو حي من اليمن ، والنسبة إليها شنائي ، وقال ابن السكيت أزد شنوة بالتشديد غير مهموز ، وينسب إليها شنوى ، قوله : ربعة بفتح الراء وسكون الباء الموحدة ، ويجوز فتحها لا طويل ولا قصير ، وأنث بتأويل النفس ، قوله : من ديماس بكسر الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة ، قال الكرماني السرب ، وقيل الكن ، أي كأنه مخدر لم ير شمسا ، وهو في غاية الإشراق والنضارة انتهى ، وقيل الحمام ، وقيل : لم يكن لهم يومئذ ديماس ، وإنما هو من علامات نبوته ، قوله : إبراهيم أي الخليل عليه السلام ، والمعنى : أنا أشبه بإبراهيم ، كذا قاله الكرماني ، قلت : كان معناه أنا أشبه ولد إبراهيم بإبراهيم عليه السلام ، وهاهنا ثلاث تشبيهات كلها للبيان ، ولكن الأول لمجرد البيان ، والأخير أن للبيان مع تعظيم المشبه في مقام المدح ، وقال الداودي : في تشبيه موسى عليه السلام يعني في الطول ، وقال القزاز : ما أدري ما أراد البخاري بذلك على أنه روى في صفته بعد هذا خلاف هذا ، فقال : وأما موسى فآدم جسيم كأنه من رجال الزط ، قلت : روى البخاري هذا من حديث مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت موسى وعيسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر ، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط ، قلت : هذا ليس فيه إشكال لأنه - صلى الله عليه وسلم - شبه موسى في حديث الباب وهو حديث أبي هريرة بقوله كأنه من رجال شنوءة يعني في الطول ، وشبهه في حديث ابن عمر بقوله : كأنه من رجال الزط يعني في الطول أيضا ؛ لأن الزط جنس من السودان والهنود الطوال ، قوله : ثم أتيت على صيغة المجهول ، قوله : أخذت الفطرة أي الاستقامة ، أي اخترت علامة الإسلام ، وجعل اللبن علامة لكونه سهلا طيبا طاهرا نافعا للشاربين ، سليم العاقبة ، وأما الخمر فإنها أم الخبائث ، وحاملة لأنواع الشر في الحال والمآل ، ويروى هديت الفطرة ، قال الطيبي : أي الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها ، وجعل اللبن علامة لذلك ؛ لأنه من أصلح الأغذية وأول ما به حصلت التربية .