باب
حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما سمي الخضر أنه جلس على فروة بيضاء ، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء مطابقته للترجمة من حيث إن الخضر مذكور فيه ، ومحمد بن سعيد أبو جعفر يقال له حمدان الأصبهاني بكسر الهمزة وفتحها وبالباء الموحدة ، وفي بعض النسخ بالفاء ، مات سنة عشرين ومائتين ، وهو من أفراده ، وابن المبارك هو عبد الله . قوله : أنه أي أن خضرا ، ويروى لأنه ، قوله : على فروة بفتح الفاء قيل هي جلدة وجه الأرض جلس عليها الخضر فأنبتت وصارت خضراء بعد أن كانت جرداء ، وقيل أراد به الهشيم من نبات الأرض اخضر بعد يبسه وبياضه ، ولما أخرج عبد الرزاق هذا الحديث في مصنفه بهذا الإسناد زاد الفروة الحشيش الأبيض وما أشبهه ، وقال عبد الله بن أحمد بعد أن رواه عن أبيه عن عبد الرزاق أظن أن هذا تفسير من عبد الرزاق ، وجزم بذلك عياض ، وعن مجاهد أنه قيل له الخضر لأنه إذا كان صلى اخضر ما حوله . والكلام فيه على أنواع : الأول في اسمه فقال مجاهد اسمه أليسع بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام ، وقال مقاتل : بليا بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبالياء آخر الحروف ابن ملكان بن يقطن بن فالغ إلى آخره ، وقيل إيليا بن ملكان إلى آخره ، وقيل خضرون بن عماييل بن ليفر بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، قاله كعب ، وقال ابن إسحاق : إرميا بن حلقيا من سبط هارون بن عمران وأنكره الطبري ، وقال إرميا كان في زمن بخت نصر وبين بخت نصر وموسى زمان طويل ، وقيل خضرون بن قابيل بن آدم ذكره أبو حاتم السجستاني ، وقال إسماعيل بن أبي أويس : معمر بن عبد الله بن نصر بن الأزد .
النوع الثاني في نسبه : فقال الطبري الخضر هو الرابع من ولد إبراهيم لصلبه ، وقال مجاهد هو من ولد يافث وكان وزير ذي القرنين ، وقيل هو من ولد رجل من أهل بابل ممن آمن بالخليل وهاجر معه ، وقيل إنه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر وهذا غريب جدا ، وقيل هو أخو إلياس عليهما الصلاة والسلام ، وروى الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى السدي أن الخضر وإلياس كانا أخوين وكان أبوهما ملكا ، وقال أيضا يقال إنه الخضر بن آدم لصلبه ، وروى الدارقطني من حديث ابن عباس قال : الخضر بن آدم لصلبه ونسئ له في أجله حتى يكذب الدجال وهو منقطع غريب ، وروى الحافظ ابن عساكر أيضا عن سعيد بن المسيب أن أم الخضر رومية وأباه فارسي ، وقيل كنيته أبو العباس . النوع الثالث في نبوته : فالجمهور على أنه نبي وهو الصحيح لأن أشياء في قصته تدل على نبوته ، وروى مجاهد عن ابن عباس أنه كان نبيا ، وقيل كان وليا ، وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان عبدا صالحا ، وقيل : كان ملكا بفتح اللام ، وهذا غريب جدا . النوع الرابع في حياته : فالجمهور خصوصا مشايخ الطريقة والحقيقة وأرباب المجاهدات والمكاشفات أنه حي يرزق ويشاهد في الفلوات ، ورآه عمر بن عبد العزيز وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي ومعروف الكرخي وسري السقطي وجنيد وإبراهيم الخواص وغيرهم رضي الله تعالى عنهم ، وفيه دلائل وحجج تدل على حياته ذكرناها في تاريخنا الكبير ، وقال البخاري وإبراهيم الحربي وابن الجوزي وأبو الحسين المنادي : إنه مات واحتجوا بقوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ وبما روى أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بقليل أو بشهر : ما من نفس منفوسة أو ما منكم اليوم من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية ، وأجاب الجمهور عن الآية بأنا ما ادعينا أنه يخلد ، وإنما يبقى إلى انقضاء الدنيا ، فإذا نفخ في الصور مات لقوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وعن حديث جابر بأنه متروك الظاهر لأن جماعة عاشوا أكثر من مائة سنة منهم سلمان الفارسي ، فإنه عاش ثلاثمائة سنة ، وقد شاهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وحكيم بن حزام عاش مائة وعشرين سنة وغيرهما ، وإنما أشار - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - إلى ذلك الزمان لا إلى ما تقوم الساعة ، وهو الأليق به على أنه قد عاش بعد ذلك الزمان خلق كثير أكثر من مائة سنة ، وأجاب بعضهم بأن خضرا عليه السلام كان حينئذ على وجه البحر ، وقيل هو مخصوص من الحديث كما خص منه إبليس بالاتفاق .
قال الحموي : قال محمد بن يوسف بن مطر الفربري : حدثنا علي بن خشرم عن سفيان بطوله هذا وقع في رواية أبي ذر عن المستملي خاصة عن الفربري ، قوله : قال الحموي هو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه ، قال محمد بن يوسف بن مطر : حدثنا علي بن خشرم بن عبد الرحمن أبو الحسن المروزي ، حدثنا سفيان بن عيينة فذكر الحديث المذكور مطولا .