باب قول الله تعالى وإن يونس لمن المرسلين
حدثنا يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن عبد الله بن الفضل ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئا كرهه ، فقال : لا والذي اصطفى موسى على البشر . فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال : تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا ! فذهب إليه فقال : أبا القاسم ، إن لي ذمة وعهدا ، فما بال فلان لطم وجهي ؟ فقال : لم لطمت وجهه ؟ فذكره ، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى رئي في وجهه ، ثم قال : لا تفضلوا بين أنبياء الله ، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى آخذ بالعرش ، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي ، ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى . مطابقته للترجمة ظاهرة في آخر الحديث ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز ، والحديث مضى عن قريب في باب وفاة موسى عليه الصلاة والسلام .
قوله : ( يعرض ) ؛ أي يبرز متاعه للناس ليرغبوا في شرائه فأعطى له به ثمنا بخسا . قوله : ( أظهرنا ) مقحم ، وقد يوجه عدم إقحامه وهو أنه جمع ظهر ، ومعناه أنه بينهم على سبيل الاستظهار كان ظهرا منه قدامه وظهرا وراءه ، فهو مكنون من جانبيه إذا قيل بين ظهرانيهم ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرهم . قوله : ( ذمة وعهدا ) ؛ يعني مع المسلمين ، فلم أخفر ذمتي ونقض عهدي باللطم ؟ قوله : ( لا تفضلوا بين أنبياء الله ) معناه : لا تفضلوا بعضا بحيث يلزم منه نقص المفضول أو يؤدي إلى الخصومة والنزاع ، أو لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل منهم مطلقا إذ الإمام أفضل من المؤذن مطلقا وإن كان فضيلة التأذين غير موجودة فيه ، أو لا تفضلوا من تلقاء أنفسكم وأهوائكم .
فإن قلت : نهى - صلى الله عليه وسلم - عن التفضيل وقد فضل هو بنفسه موسى عليه السلام - قلت : لم يفضل ، إذ معناه وأنا لا أدري أن هذا البعث فضيلة له أم لا أو جاز له ما لم يجز لغيره . فإن قلت : السياق يقتضي تفضيل موسى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - قلت : لئن سلمنا لا يقتضي إلا تفضيله بهذا الوجه ، وهذا لا ينافي كونه أفضل مطلقا من موسى . قوله : ( بصعقته يوم الطور ) وهو في قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فإن قلت : إن موسى قد مات ، فكيف تدركه الصعقة ؟ وأيضا قد ورد النص وأجمعوا أيضا على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة - قلت : المراد من البعث الإفاقة بقرينة الروايات الأخر حيث قال أفاق قبلي ، وهذه الصعقة هي غشية بعد البعث عند نفخة الفزع الأكبر .
قوله : ( ولا أقول .. . ) إلى آخره ؛ أي لا أقول من عند نفسي ، أو قاله - صلى الله عليه وسلم - تواضعا وهضما لنفسه .