باب قول الله تعالى ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب
حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن عبد الرحمن حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا ، فجعل الفراش وهذه الدواب تقع في النار . وقال : كانت امرأتان معهما ابناهما ، جاء الذئب فذهب بابن إحديهما ، فقالت صاحبتها : إنما ذهب بابنك ! وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك ! فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه ، فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينهما ! فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله ! هو ابنها ! فقضى به للصغرى . قال أبو هريرة : والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ ، وما كنا نقول إلا المدية .
مطابقته للترجمة في قوله : وقال : كانت امرأتان .. . إلى آخره ؛ فإن فيه ذكر سليمان ، وأما تعلق الحديث الأول بحديث الترجمة فهو أن الراوي ذكره معه كما سمعه معه ، وقال الكرماني : متابعة الأنبياء موجبة للخلاص كما أن في هذا التحاكم خلاص الكبرى من تلبسها بالباطل ووباله في الآخرة ، وخلاص الصغرى من ألم فراق ولدها ، وخلاص الابن من القتل ، وتمام الحديث الأول هو قوله : فجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها ، فذلك مثلي ومثلكم ؛ أنا آخذ بحجزكم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وعبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الفرائض عن أبي اليمان أيضا ، وأخرجه النسائي في القضاء عن عمران بن بكار وعن المغيرة بن عبد الرحمن .
ذكر معناه : قوله : ( مثلي ومثل الناس ) بفتح الميم ؛ أي صفتي وحالي وشأني في دعائهم إلى الإسلام المنقذ لهم من النار ومثل ما تزين لهم أنفسهم من التمادي على الباطل كمثل رجل .. . إلى آخره ، وهذا من تمثيل الجملة بالجملة ، والمراد من ضرب المثل الزيادة في الكشف والتنبيه للبيان . قوله : ( استوقد نارا ) ؛ أي أوقد نارا ، يؤيده ما وقع في رواية مسلم وأحمد من حديث جابر : مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا .
وقال بعضهم : زيادة السين والتاء للإشارة إلى أنه عالج إيقادها وسعى في تحصيل آلاتها . قلت : معنى الاستفعال الطلب ، ولكن قد يكون صريحا نحو استكتبته أي طلبت منه الكتابة ، وقد يكون تقديرا نحو استخرجت الوتد من الحائط ، وليس فيه طلب صريح ، واستوقد هاهنا من هذا القبيل ، والنار جوهر لطيف مضيء محرق حار والنور ضوؤها . قوله : ( الفراش ) بفتح الفاء وتخفيف الراء وفي آخره شين معجمة ، قال الخليل : يطير كالبعوض .
وقيل : هو كصغار البق . وقال الفراء : هو غوغاء الجراد الذي يتفرش ويتراكم ويتهافت في النار . قوله : ( وهذه الدواب ) عطف على الفراش ، وهو جمع دابة ، وأراد بها هنا مثل البرغش والبعوض والجندب ونحوها .
قوله : ( تقع في النار ) خبر جعل ؛ لأن جعل من أفعال المقاربة يعمل عمل كان في اقتضائه الاسم والخبر . وقال النووي : إنه - صلى الله عليه وسلم - شبه المخالفين له بالفراش وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا مع حرصهم على الوقوع في ذلك ومنعه إياهم ، والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه . وقال ابن العربي : هذا مثل كثير المعاني ، والمقصود أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الهلكة وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة ، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يصحبه من الضياء ، وقد قيل : إنها لا تبصر بحال - وهو بعيد جدا .
قوله : ( وقال : كانت امرأتان ) ليس فيه تصريح برفعه ، وهو مرفوع في نسخة شعيب عند الطبراني وغيره ، وفي رواية النسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : بينا امرأتان . قوله : ( فتحاكما ) ، وفي رواية الكشميهني فتحاكمتا ، وفي نسخة شعيب فاختصما . قوله : ( فقضى به للكبرى ) ؛ أي للمرأة الكبرى ، قيل : إن ذلك كان على سبيل الفتيا منهما لا الحكم ، فلذلك ساغ لسليمان أن ينقضه .
ورده القرطبي بأن فتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - كحكمه ، وهما سواء في التنفيذ . فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك فكيف جاز لسليمان نقض حكم داود ؟ قلت : إن كان حكمهما بالوحي فحكم سليمان ناسخ لحكم داود ، وإن كان بالاجتهاد فاجتهاده كان أقوى لأنه بالحيلة اللطيفة أظهر ما في نفس الأمر . وقال الواقدي : إنما كان بينهما على سبيل المشاورة ، فوضح لداود صحة رأي سليمان فأمضاه .
وقيل : إن من شرع داود عليه الصلاة والسلام الحكم للكبرى من حيث هي كبرى . ورد بأن هذا غلط ؛ لأن الكبرى والصغرى وصف طردي محض لا يوجب شيء من ذلك ترجيحا لأحد المتداعيين حتى يحكم له أو عليه ، وكذلك الطول والقصر والسواد والبياض . وقال النووي : إن سليمان فعل ذلك تحيلا على إظهار الحق ، فلما أقرت به الصغرى عمل بإقرارها ، وإن كان الحكم قد نفذ كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه .
وقال ابن الجوزي : وإنما حكما بالاجتهاد إذ لو كان بنص لما ساغ خلافه ، وهو دال على أن الفطنة والفهم موهبة من الله تعالى ، ولا التفات لقول من يقول : إن الاجتهاد إنما يسوغ عند فقد النص والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يفقدون النص فإنهم متمكنون من استطلاع الوحي وانتظاره ، والفرق بينهم وبين غيرهم قيام العصمة بهم عن الخطأ وعن التقصير في الاجتهاد بخلاف غيرهم . قوله : ( لا تفعل يرحمك الله ! ) ، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي من طريق ورقاء عن أبي الزناد : لا ، يرحمك الله ! قال القرطبي : ينبغي أن يكون على هذه الرواية أن يقف على لا دقيقة حتى يتبين للسامع أن ما بعده كلام مستأنف ؛ لأنه إذا وصل بما بعد لا يتوهم للسامع أنه دعاء عليه ، وإنما هو دعاء له . قوله : ( قال أبو هريرة ) صورته تعليق ، لكن ادعى بعضهم أنه موصول بالإسناد الأول ، وفيه تأمل .
قوله : ( إن سمعت ) ، كلمة إن بكسر الهمزة وسكون النون كلمة نفي ، أي والله ما سمعت بلفظ السكين إلا يومئذ . قوله : ( المدية ) بضم الميم ، وقيل : الميم مثلثة . سمي السكين بها لأنها تقطع مدى حياة الحيوان ، وسمي السكين سكينا لأنه يسكن حركة الحيوان ، وهو يذكر ويؤنث .