باب قول الله تعالى : واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا . أي : هذا باب في بيان قول الله تعالى واذكر إلى آخره ، يعني اذكر يا محمد في الكتاب - أي في القرآن - مريم بنت عمران بن ماثان . قوله : إِذِ انْتَبَذَتْ ، كلمة إذ بدل من مريم بدل الاشتمال ، انْتَبَذَتْ أي اعتزلت وانفردت وجلست وتخلت للعبادة من أهلها ، مكانا أي في مكان ، شرقيا مما يلي شرقي المقدس أو شرقيا من دارها ، وقيل قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض ، وعن الحسن البصري : اتخذت النصارى المشرق قبلة لأن مريم انتبذت مكانا شرقيا . إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة . قال الزمخشري : إذ قالت بدل من وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ ويجوز أن يبدل من إذ يختصمون على أن الاعتصام والبشارة وقعا في زمان . قوله : بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ؛ أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله - أي بقوله كن فيكون - اسمه المسيح عيسى ابن مريم ، يعني يكون مشهورا بهذا في الدنيا يعرفه المؤمنون بذلك . إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، إلى قوله : يرزق من يشاء بغير حساب . يخبر - تعالى - أنه اصطفى آدم - أي اختار آدم - لأنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه جنته ، واصطفى نوحا - صلى الله عليه وسلم - وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض لما عبد الناس الأوثان ، واصطفى آل إبراهيم ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ، ومنهم آل عمران والد مريم بنت عمران أم عيسى بن مريم صلوات الله عليهم . قوله : ( إلى قوله ) ؛ أي اقرأ إلى قوله : يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ، وهو : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وبعده ثلاث آيات أخرى آخرها : بغير حساب . قال ابن عباس : وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه - وهم المؤمنون . أشار بهذا إلى أن قوله تعالى وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عام وأريد به الخصوص ، وهو أن المراد المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران كما قال ابن عباس . قوله : ( وآل ياسين ) ، المراد منهم الذين في قوله تعالى : وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقيل إدريس ، وقيل غيره . قوله : ( يقول : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ إلى آخره ؛ أي يقول ابن عباس : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ - وهم المؤمنون . والذين لم يتبعوه لا يعدون من الآل ، وحاصل هذا التأكيد بأن المراد من هذا العموم الخصوص كما ذكرنا . ويقال : آل يعقوب أهل يعقوب ، فإذا صغروا آل ثم ردوه إلى الأصل قالوا : أهيل . أشار بهذا إلى أن أصل آل أهل ، ألا ترى أنهم إذا أرادوا أن يصغروه يقولون أهيل ؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها ، ولكن فيه خلاف ، والذي ذكرناه هو قول سيبويه والجمهور . وقيل : أصل آل أول ، من آل يؤول إذا رجع ؛ لأن الإنسان يرجع إلى آله ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها . 90 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : حدثني سعيد بن المسيب قال : قال أبو هريرة رضي الله عنه : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان ، غير مريم وابنها . ثم يقول أبو هريرة : وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأخرجه مسلم أيضا عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أبي اليمان به ، وقد مضى نحوه في باب صفة إبليس عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة . قوله : ( ثم يقول أبو هريرة ) إلى آخره موقوف عليه .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/397514
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة