بسم الله الرحمن الرحيم . كتاب المناقب أي : هذا كتاب في بيان المناقب ، وهو جمع المنقبة ، وهي ضد المثلبة ، ووقع في بعض النسخ باب المناقب ، والأول أولى ؛ لأن الكتاب يجمع الأبواب ، وفيه أبواب كثيرة تتعلق بأشياء كثيرة على ما لا يخفى . باب قول الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . وقوله : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا . أي : هذا باب في ذكر قول الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إلى آخره . ذكر هذا ليبني عليه تفسير الشعوب والقبائل ، وما يتعلق بها ، واعلم أن هذه الآية الكريمة نزلت في ثابت بن قيس ، وقوله للرجل الذي لم يفسح له : ابن فلانة ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من الذاكر فلانة ، فقام ثابت بن قيس ، فقال : أنا يا رسول الله ، قال : انظر في وجوه القوم فنظر إليها ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ما رأيت يا ثابت ؟ قال : رأيت أبيض ، وأسود ، وأحمر . قال : فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى ، فأنزل الله في ثابت هذه الآية . قوله : من ذكر آدم عليه السلام ، وأنثى حواء عليها السلام ، وقيل : خلقنا كل واحد منكم من أب وأم ، فما منكم أحد إلا وهو يدلي ما يدلي به الآخر ، سواء بسواء ، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب . قوله : وجعلناكم شعوبا ، وهي رؤوس القبائل ، وجمهورها ، قيل : ربيعة ، ومضر ، والأوس ، والخزرج ، واحدها شعب ، بفتح الشين ، والشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب ، وهي الشعب ، والقبيلة ، والعمارة ، والفخذ ، والفصيلة ، فالشعب يجمع القبائل ، والقبائل تجمع العمائر ، والعمائر تجمع البطون ، والبطن تجمع الأفخاذ ، والفخذ تجمع الفصائل . خزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصي بطن ، وهاشم فخذ ، والعباس فصيلة ، وسميت الشعوب شعوبا ؛ لأن القبائل تتشعب منها ، وقال صاحب المنتهى : الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم ، والشعوب الأمم المختلفة ، فالعرب شعب ، وفارس شعب ، والروم شعب ، والترك شعب ، وفي الموعب : الشعب مثال كعب ، وعن ابن الكلبي بالكسر ، وفي نوادر الهجري : لم يسمع فصيحا بكسر الشين ، وفي المحكم : الشعب هو القبيلة نفسها ، وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم ، وفي تهذيب الأزهري : أخذت القبائل من قبائل الرأس لاجتماعها ، وفي الصحاح : قبائل الرأس هي القطع المشعوب بعضها إلى بعض ، تصل بها الشؤون ، وقال الزجاج : القبيلة من ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام كالسبط من ولد إسحاق عليه الصلاة والسلام ، سموا بذلك ليفرق بينهما ، ومعنى القبيلة من ولد إسماعيل معنى الجماعة ، يقال لكل جماعة من واحد قبيلة ، ويقال لكل جمع على شيء واحد قبيل ، أخذ من قبائل الشجرة وهي أغصانها ، وذكر ابن الهبارية في كتابة تلك المعاني أن القبائل من ولد عدنان مائتان وسبع وأربعون قبيلة ، والبطون من ولده مائتان وأربعة وأربعون بطنا ، والأفخاذ خمسة عشر فخذا غير أولاد أبي طالب . وذكر أهل اللغة أن الشعوب مثل : مضر وربيعة ، والقبائل دون ذلك مثل قريش وتميم ، ثم العمائر جمع عميرة ، ثم البطون جمع بطن ، ثم الأفخاذ جمع فخذ ، وقسم الجواني العرب إلى عشر طبقات الجذم ، ثم الجمهور ، ثم الشعب ، ثم القبيلة ، ثم العمارة ، ثم البطن ، ثم الفخذ ، ثم العشيرة ، ثم الفصيلة ، ثم الرهط . قوله : لِتَعَارَفُوا ، أي : ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب ، وبعده فلا يعتري إلى غير آبائه ، لا أن يتفاخروا بالآباء والأجداد ، ويدعوا التفاضل والتفاوت في الأنساب ، ثم بين الفضيلة التي بها يفضل الإنسان على غيره ، ويكتسب الشرف والكرم عند الله تعالى ، فقال : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وقال مجاهد : لِتَعَارَفُوا ليقال : فلان ابن فلان ، وقرأ ابن عباس : لتعرفوا ، وأنكره بعض أهل اللغة . قوله : وقوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي ، إلى آخره ، أي : اتقوا الله بطاعتكم إياه ، قال إبراهيم ، ومجاهد ، والحسن ، والضحاك ، والربيع ، وغير واحد : الذي تساءلون به ، أي : كما يقال : أسألك بالله ، وبالرحم . وعن الضحاك : واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، ولكن زوروها وصلوها ، والأرحام جمع رحم ، وقرأ عبد الله بن يزيد المقرئ : والأرحام ، بالضم على الابتداء ، والخبر محذوف ، أي : الأرحام مما يتقى به ، والجمهور على النصب على تقدير : واتقوا الأرحام . وقرئ بالجر أيضا عطفا على قوله : به ، وفيه خلاف فأجازه الكوفيون ، ومنعه البصريون ؛ لأنه لا يجوز عندهم العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار . قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ، أي : مراقبا لجميع أعمالكم وأحوالكم . وما ينهى عن دعوى الجاهلية عطف على قوله : وقول الله الذي هو عطف على قول الله المجرور بإضافة الباب إليه ، أي : باب فيما ينهى عن دعوى الجاهلية ، وهي الندبة على الميت والنياحة ، وقيل : قولهم : يا لفلان ، وقيل : الانتساب إلى غير أبيه ، وقد عقد له بابا عن قريب يأتي إن شاء الله تعالى . الشعوب النسب البعيد ، والقبائل دون ذلك أراد بالنسب البعيد مثل : مضر ، وربيعة ، هذا قول مجاهد والضحاك . قوله : والقبائل دون ذلك مثل : قريش ، وتميم . 1 - حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي ، حدثنا أبو بكر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . قال : الشعوب : القبائل العظام ، والقبائل : البطون . مطابقته للآية التي هي الترجمة ظاهرة ؛ لأن المذكور فيها الشعوب والقبائل ، وقد فسر ابن عباس الشعوب بالقبائل العظام ، وفسر القبائل بالبطون ، وذلك لأن الشعوب تجمع القبائل ، وذكر عن ابن عباس أيضا أن القبائل الأفخاذ ، فعلى هذا أن القبائل التي فسرها بالبطون تجمع الأفخاذ ، وخالد بن يزيد أبو الهيثم المقرئ الكاهلي الكوفي ، وهو من أفراده ، والكاهلي نسبة إلى كاهل بكسر الهاء ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر ، بطن من هذيل ، والظاهر أنه منسوب إلى كاهل بن أسد بن خزيمة بن مدركة ؛ لأن جماعة كثيرة من أهل الكوفة ينتسبون إليه ، وأبو بكر هو ابن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط بالنون ، وفي اسمه أقوال كثيرة ، والأصح أن اسمه كنيته ، وأبو حصين ، بفتح الحاء ، وكسر الصاد المهملتين ، اسمه عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/397588
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة