باب مناقب قريش
9 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر ، والسكينة في أهل الغنم ، والإيمان يمان ، والحكمة يمانية .
مر الكلام في وجه المطابقة في أول الحديث السابق ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن أبي اليمان ، به .
قوله : " والخيلاء " ، بضم الخاء وكسرها الكبر والعجب ، يقال : فيه خيلاء ، ومخيلة ، أي : كبر ، ومنه اختال فهو مختال . وقال الداودي . قوله : والفخر والخيلاء في الفدادين ، وهم وإنما نسب إليهم الجفاء ، وهما في أصحاب الخيل . قوله : " والسكينة " هو السكون والوقار . قوله : " يمان " أصله يمني حذف إحدى الياءين ، وعوض منهما الألف ، فصار يمان ، وهي اللغة الفصحى ، ثم يمني ، ثم يماني بزيادة الألف ذكرها سيبويه ، وحكى الجوهري وصاحب المطالع
وغيرهما عن سيبويه أنه حكى عن بعض العرب أنهم يقولون : اليماني بالياء المشددة . وقال القاضي وغيره قد صرفوا قوله : الإيمان يمان عن ظاهره من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة ، ثم من المدينة .
وحكى أبو عبيد فيه أقوالا : أحدها : أنه أراد بذلك مكة ، فإنه يقال : إن مكة من تهامة ، وتهامة من أرض اليمن . والثاني : المراد مكة والمدينة ؛ فإنه يروى ما في الحديث أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال هذا الكلام ، وهو بتبوك ، ومكة ، ومدينة حينئذ بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن ، وهو يريد مكة والمدينة ، فقال : الإيمان يمان ، ونسبها إلى اليمن لكونها حينئذ من ناحية اليمن ، كما قالوا : الركن اليماني ، وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن . والثالث : ما ذهب إليه كثير من الناس ، وهو أحسنها أن المراد بذلك الأنصار ؛ لأنهم يمانيون في الأصل ، فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره ، واعترض عليه الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح ، فقال ما ملخصه : إنه لو نظر إلى طرق الأحاديث لما ترك ظاهر الحديث . منها قوله عليه السلام : أتاكم أهل اليمن والأنصار من جملة المخاطبين بذلك فهم إذا غيرهم . ومنها قوله عليه السلام : جاء أهل اليمن ، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار ، فحينئذ لا مانع من إجراء الكلام على ظاهره ، وحمله على الحقيقة ؛ لأن من اتصف بشيء ، وقوي قيامه به نسب ذلك الشيء إليه إشعارا بتمييزه به وكمال حاله فيه ، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان ، وليس في ذلك نفي له عن غيرهم فلا منافاة بينه وبين قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن الإيمان ليأرز إلى الحجاز . ويروى : الإيمان في أهل الحجاز ؛ لأن المراد بذلك الموجود منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان ، فإن اللفظ لا يقتضيه . قوله : " والحكمة يمانية " الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتمل على المعرفة بالله عز وجل المصحوب بنفاذ البصيرة ، وتهذيب النفس ، وتحقيق الحق ، والعمل به ، والصد عن اتباع الهوى والباطل ، والحكيم من له ذلك . وقال ابن دريد : كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة ، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن من الشعر حكمة . وفي بعض الروايات : حكما .
قال أبو عبد الله : سميت اليمن ؛ لأنها عن يمين الكعبة ، والشام عن يسار الكعبة ، والمشأمة الميسرة ، واليد اليسرى الشؤمى ، والجانب الأيسر الأشأم .
أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وليس هذا اللفظ بمذكور في بعض النسخ . قوله : سميت اليمن ؛ لأنها عن يمين الكعبة هذا قول الجمهور . وقال الرشاطي : سمي بذلك قبل أن تعرف الكعبة ؛ لأنه عن يمين الشمس ، وقيل : سمي بيمن بن قحطان ، وقيل : سمي بيعرب بن قحطان ؛ لأن يعرب اسمه يمن ، فلذلك قيل : أرض يمن . قوله : " والشأم " ، أي : سميت الشام ؛ لأنها عن يسار الكعبة ، وقيل : سمي بشامات هناك حمر وسود ، وقيل : سمي بسام بن نوح عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه أول من اختطه ، وكان اسم سام شام بالشين المعجمة ، فعرب فقيل : سام بالسين المهملة ، وقيل : شام اسم أعجمي من لغة بني حام ، وتفسيره بالعربي خير طيب . وقال البكري : الشام مهموز ، وقد لا يهمز وفي المطالع قال أبو الحسين بن سراج : الشام بهمزة ممدودة ، وأباه أكثرهم فيه إلا في النسب أعني فتح الهمزة كما اختلف في إثبات الياء مع الهمزة الممدودة فأجازه سيبويه ، ومنعه غيره ؛ لأن الهمزة عوض من ياء النسب ، فعلى هذا يقال ، شامي وشآم في الرجل كما يقال : يماني ويمان . قوله : والمشأمة الميسرة ، الميم فيهما زائدة ؛ لأن اشتقاقهما يدل على ذلك لأنهما من الشؤم واليسار . قال الجوهري : المشأمة الميسرة ، وكذلك الشأمة والشؤم نقيض اليمن قوله : واليد اليسرى ، يعني تسمى بالشؤمى ، قاله أبو عبيدة ، وكذلك قال للجانب الأيسر الأشأم ، ومادة الكل من الشؤم ، وهو نقيض اليمن كما ذكرناه .