حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما ينهى عن دعوى الجاهلية

حدثنا محمد ، أخبرنا مخلد بن يزيد ، أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني عمرو بن دينار ، أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول : غزونا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا ، وكان من المهاجرين رجل لعاب ، فكسع أنصاريا ، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا . وقال الأنصاري : يا للأنصار . وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فخرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : فما بال دعوى أهل الجاهلية ؟ ثم قال : ما شأنهم ؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري ، قال : فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دعوها فإنها خبيثة .

وقال عبد الله بن أبي ابن سلول : أقد تداعوا علينا : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فقال عمر : ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث لعبد الله ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه . مطابقته للترجمة في قوله : ما بال دعوى الجاهلية .

ذكر رجاله ، وهم خمسة : الأول : محمد ، كذا وقع محمد غير منسوب عند جميع الرواة . وقال أبو نعيم : هو محمد بن سلام ، نص عليه في المستخرج ، وكذا قاله أبو علي الجياني ، وجزم به الدمياطي أيضا . الثاني : مخلد ، بفتح الميم واللام ابن يزيد من الزيادة ، أبو الحسن الحراني الجزري ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة .

الثالث : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، وقد تكرر ذكره . الرابع : عمرو بن دينار القرشي الأثرم المكي . الخامس : جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما ، والحديث من أفراده .

قوله : غزونا هذه الغزوة هي غزوة المريسيع ، وفي مسلم : قال سفيان : يرون أن هذه الغزوة غزوة بني المصطلق ، وهي غزوة المريسيع ، وكانت في سنة ست من الهجرة . قوله : ثاب ، بالثاء المثلثة . قال الكرماني ، أي : اجتمع معه ناس .

وقال الداودي : معناه خرج ، والذي عليه أهل اللغة أن معنى ثاب رجع . قوله : لعاب . قيل : معناه مطال ، وقيل : كان يلعب بالحراب كما تصنع الحبشة ، وقيل : مزاح ، واسمه جهجاه بن قيس الغفاري ، وكان أجير عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه .

قوله : فكسع ، بفتح الكاف ، والسين المهملة ، والعين المهملة ، من الكسع ، وهو أن تضرب بيدك أو برجلك دبر إنسان ، ويقال : هو أن تضرب عجز إنسان بقدمك ، وقيل : هو ضربك بالسيف على مؤخره ، وفي الموعب : كسعته بما ساءه إذا تكلم ، فرميته على إثر قوله : بكلمة تسوؤه بها . قوله : أنصاريا ، أي : رجلا أنصاريا ، وهو سنان بن وبرة حليف بني سالم الخزرجي . قوله : حتى تداعوا ، أي : حتى استغاثوا بالقبائل يستنصرون بهم في ذلك ، والدعوى الانتماء ، وكان أهل الجاهلية ينتمون بالاستغاثة إلى الآباء ، وتداعوا بصيغة الجمع ، وعن أبي ذر تداعوا بالتثنية .

قال بعضهم : والمشهور في هذا تداعيا بالياء عوض الواو . قلت : الذي قال بالواو ، أخرجه على الأصل . قوله : يا للأنصار ، ويروى يا آل الأنصار .

قال النووي : كذا في معظم نسخ البخاري بلام مفصولة في الموضعين ، وفي بعضها بوصلها ، وفي بعضها يا آل بهمزة ، ثم لام مفصولة ، واللام في الجميع مفتوحة ، وهي لام الاستغاثة ، قال : والصحيح بلام موصولة ، ومعناه : ادعو المهاجرين ، واستغيث بهم . قوله : ما بال دعوى الجاهلية ، يعني : لا تداعوا بالقبائل ، بل تداعوا بدعوة واحدة بالإسلام ، ثم قال : ما شأنهم ؟ أي : ما جرى لهم ، وما الموجب في ذلك . قوله : دعوها ، أي : دعوا هذه المقالة ، أي : اتركوها أو دعوا هذه الدعوى ، ثم بين حكمة الترك بقوله : فإنها خبيثة ، أي : فإن هذه الدعوة خبيثة ، أي : قبيحة منكرة كريهة مؤذية ؛ لأنها تثير الغضب على غير الحق والتقاتل على الباطل ، وتؤدي إلى النار كما جاء في الحديث : من دعا بدعوى الجاهلية فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار .

وتسميتها دعوى الجاهلية ؛ لأنها كانت من شعارهم ، وكانت تأخذ حقها بالعصبية فجاء الإسلام بإبطال ذلك ، وفضل القضاء بالأحكام الشرعية إذا تعدى إنسان على آخر حكم الحاكم بينهما ، وألزم كلا ما لزمه . وقال السهيلي : من دعا بدعوى الجاهلية يتوجه للفقهاء فيه ثلاثة أقوال : أحدها : يجلد من استجاب لها بالسلاح خمسين سوطا اقتداء بأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه في جلده النابغة الجعدي خمسين سوطا حين سمع يا لعامر . الثاني فيه الجلد دون العشرة أسواط لنهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجلد أحد فوق عشرة أسواط .

الثالث : يوكل إلى اجتهاد الإمام على حسب ما يراه من سد الذريعة وإغلاق باب الشر ، إما بالوعيد ، وإما بالسجن ، وإما بالجلد ، قيل في القول الأول الذي ذكره السهيلي فيه نظر ؛ لأن أبا الفرج الأصبهاني وغيره ذكروا أن النابغة لما سمع يا لعامر أخذ عصاه ، وجاء مغيثا ، والعصا لا تعد سلاحا يقتل . قوله : وقال عبد الله بن أبي ابن سلول ، إلى آخره . إنما قال ذلك عبد الله ؛ لأنه كان مع عمر بن الخطاب أجيرا له من غفار ، يقال له : جعال كان معه فرس يقوده ، فحوض لعمر حوضا ، فبينما هو قائم على الحوض إذ أقبل رجل من الأنصار يقال له : وبرة بن سنان الجهني ، وسماه أبو عمر سنان بن تميم ، وكان حليفا لعبد الله بن أبي فقاتله فتداعيا بقبائلهما ، فقال عبد الله بن أبي : أقد تداعوا علينا ؟ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .

وأما قوله تعالى في سورة المنافقين يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ فقد قال النسفي في تفسيره : يقولون - أي : المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه - : والله لئن رجعنا من غزاة بني لحيان ، ثم بني المصطلق ، وهو حي من هذيل إلى المدينة . ليخرجن الأعز عنى به نفسه . منها من المدينة .

الأذل يعني : محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولقد كذب عدو الله . قوله : فقال عمر رضي الله تعالى عنه : ألا نقتل بالنون ، ويروى بالتاء المثناة من فوق . قوله : هذا الخبيث أراد به عبد الله بن أبي ، وقد بينه بقوله لعبد الله ، واللام فيه يتعلق بقوله : قال عمر ، أي : قال لأجل عبد الله .

وقال الكرماني أو اللام للبيان نحو هيت لك . وفي بعضها : يعني : عبد الله . وقال بعضهم : اللام بمعنى عن .

قلت : قال هذا بعضهم في قوله : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ . ورده ابن مالك ، وغيره ، وقالوا : اللام هاهنا للتعليل ، وقيل غير ذلك . قوله : فقال النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا ، أي : لا نقتل .

قوله : يتحدث الناس ، إلى آخره . كلام مستقل ، وليس له تعلق بكلمة لا فافهم . قوله : أنه ، أي : النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقتل أصحابه ، ويتنفر الناس عن الدخول في الإسلام ، ويقول بعضهم لبعض : ما يؤمنكم إذا دخلتم في دينه أن يدعي عليكم كفر الباطن ، فيستبيح بذلك دماءكم وأموالكم فلا تسلموا أنفسكم إليه للهلاك ، فيكون ذلك سبيلا لنفور الناس عن الدين .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث