باب وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توفي وهو ابن ثلاث وستين . وقال ابن شهاب : وأخبرني سعيد بن المسيب ، مثله . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث أخرجه مسلم في الفضائل ، عن عبد الملك بن شعيب بن الليث ، عن أبيه ، عن جده به .
قوله : توفي ، وهو ابن ثلاث وستين ، هذا هو الأصح في سنه ، وقد ذكره البخاري في آخر الغزوات ، وترجم عليه هذه الترجمة أيضا ، وروي أيضا هذا عن ابن عباس ومعاوية . وقال البيهقي : وهو قول سعيد بن المسيب ، والشعبي ، وأبي جعفر محمد بن علي ، وإحدى الروايتين عن أنس ، وروي عن أنس : أنه توفي على رأس الستين . وصححه الحاكم في الإكليل ، وأسنده ابن سعد من طريقين عنه ، وبه قال عروة ويحيى بن جعدة والنخعي ، وروى مسلم من حديث عمار بن أبي عامر ، عن ابن عباس ، أنه توفي وهو ابن خمس وستين .
وصححه أبو حاتم الرازي أيضا في تاريخه . وأما البخاري فذكره في تاريخه الصغير عن عمار ، ثم قال : ولا يتابع عليه ، وكان شعبة يتكلم في عمار ، وفيه نظر من حيث إن ابن أبي خيثمة ذكره أيضا من حديث علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس . ورواه أيضا ابن سعد ، عن سعيد بن سليمان ، عن هشيم ، حدثنا علي ، فذكره .
ولو أعله البخاري ما ذكره البيهقي من حديث حماد ، عن عمار ، عن ابن عباس لكان صوابا ؛ لأن شعبة وإن تكلم فيه فقد أثنى عليه غير واحد ، وفي تاريخ ابن عساكر : ثنتان وستون سنة ونصف . وفي كتاب عمر بن شعبة : إحدى أو اثنتان لا أراه بلغ ثلاثا وستين . وروى البزار من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : توفي في إحدى وعشرين من رمضان ، ولما ذكر الطبري قول الكلبي وأبي محيف أنه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توفي في ثامن ربيع الأول قال هذا القول ، وإن كان خلاف قول الجمهور فإنه لا يبعد إن كانت الثلاثة الأشهر التي قبله كانت تسعة وعشرين يوما ، وفي التوضيح : وهذا قول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ، ومحمد بن عمرو الأسلمي ، والمعتمر بن سليمان عن أبيه ، وأبي معشر عن محمد بن قيس ، قالوا ذلك أيضا ، حكاه البيهقي والقاضي أبو بكر بن كامل في البرهان .
وقال السهيلي في الروض : اتفقوا أنه توفي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين ، وقالوا كلهم : في ربيع الأول ، غير أنهم قالوا ، أو قال أكثرهم : في الثاني عشر من الشهر أو الثالث عشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة ، وهو التاسع من ذي الحجة ، فدخل ذو الحجة يوم الخميس ، فكان المحرم إما الجمعة ، وإما السبت ، وإما الأحد ، فإن كان الجمعة فقد كان صفر إما السبت ، وإما الأحد ، فإن كان السبت فقد كان الربيع إما الأحد ، وإما الاثنين ، وكيف ما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين بوجه . وعن الخوارزمي : توفي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أول يوم من ربيع الأول ، قال : وهذا أقرب إلى القياس . وعن المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرض يوم السبت لاثنين وعشرين ليلة من صفر بدأ به وجعه عند وليدته ريحانة ، وتوفي في اليوم العاشر .
وعند أبي معشر عن محمد بن قيس : اشتكى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الأربعاء لإحدى عشرة بقيت من صفر في بيت زينب بنت جحش ، فمكث ثلاثة عشر يوما ، وعند الواقدي ، عن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه بدئ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعه في بيت ميمونة زوجته . وقال أهل الصحيح بإجماع : إنه توفي يوم الاثنين . قال أهل السير : مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة ، وذلك حين ارتفع الضحى .
وقال الواقدي : كانت مدة علته اثني عشر يوما ، وقيل : أربعة عشر يوما . قوله : . وقال ابن شهاب ، وهو محمد بن مسلم الزهري ، وأخبرني سعيد بن المسيب مثله ، أي : مثل ما أخبر عروة ، عن عائشة ، وهو موصول بالإسناد الأول المذكور ، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب بالإسنادين معا مفرقا ، وهو من مرسل سعيد بن المسيب ، ويحتمل أن يكون سعيد أيضا سمعه من عائشة رضي الله تعالى عنها ، والله تعالى أعلم .