حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب صفة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حدثني ابن بكير ، قال : حدثني الليث ، عن خالد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال : سمعت أنس بن مالك يصف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : كان ربعة من القوم ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، أزهر اللون ، ليس بأبيض أمهق ولا آدم ، ليس بجعد قطط ، ولا سبط رجل ، أنزل عليه وهو ابن أربعين ، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه ، وبالمدينة عشر سنين ، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء ، قال ربيعة : فرأيت شعرا من شعره ، فإذا هو أحمر ، فسألت فقيل : احمر من الطيب . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وابن بكير هو يحيى بن بكير تصغير بكر ، وهو منسوب إلى جده ؛ لأنه يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المخزومي المصري ، والليث هو ابن سعد المصري ، وخالد هو ابن يزيد الجمحي الإسكندراني أبو عبد الرحيم الفقيه المفتي ، وسعيد بن أبي هلال الليثي المدني ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن بن فروخ الفقيه المدني المعروف بربيعة الرأي . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وفي اللباس عن إسماعيل ، عن مالك .

وأخرجه مسلم في فضائل النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، وعن يحيى بن أيوب وقتيبة ، وعلي بن حجر ، وعن القاسم بن زكرياء . وأخرجه الترمذي في المناقب ، عن قتيبة ، عن مالك . وعن إسحاق بن موسى ، عن معن ، عن مالك .

وأخرجه النسائي في الزينة ، عن قتيبة ، عن مالك به مختصرا . ( ذكر معناه ) . قوله : كان ربعة ، بفتح الراء ، وسكون الباء الموحدة ، أي : مربوعا ، والتأنيث باعتبار النفس ، يقال : رجل ربعة ، وامرأة ربعة .

قوله : ليس بالطويل ولا بالقصير ، تفسير ربعة ، أي : ليس بالطويل الباين المفرط في الطول مع اضطراب القامة . قال الأخفش : هو عيب في الرجال والنساء ، وسيأتي في حديث البراء عن قريب ، أنه كان مربوعا ، ووقع في حديث أبي هريرة عند الذهلي في الزهريات بإسناد حسن : كان ربعة ، وهو إلى الطول أقرب . قوله : أزهر اللون ، أي : أبيض مشرب بحمرة ، وقد وقع ذلك صريحا في مسلم من حديث أنس من وجه آخر قال : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبيض مشربا بياضه بحمرة ، وقيل : الأزهر أبيض اللون ناصعا .

قوله : ليس بأبيض أمهق كذا وقع في الأصول ، ووقع عند الداودي تبعا لرواية المروزي : أمهق ليس بأبيض . وقال الكرماني : أمهق أبيض لا في الغاية ، وهو معنى ليس بأبيض . وقال رؤبة : المهق خضرة الماء ، ولم يوجد لفظ أمهق في بعض النسخ ، وهو الأظهر ، وفي الموعب : الأمهق البياض الجصي ، وكذلك الأمقه ، وقيل : هو بياض في زرقة ، وامرأة مهقاء ، ومقهاء .

وقال بعضهم : هما الشديدا البياض ، وعن ابن دريد هو بياض سمج لا يخالطه حمرة ولا صفرة ، وفي التهذيب : بياض ليس بنير ، وفي الجامع : بياض شديد مفتح ، وقيل : هو شدة الخضرة . وقال عياض : من روى أنه ليس بالأبيض ، ولا الآدم فقد وهم ، وليس بصواب ، ورد عليه بأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض ، ولا بالآدم الشديد الأدمة ، وإنما يخالط بياضه الحمرة ، والعرب قد تطلق على من كان كذلك أسمر ، ولهذا جاء في حديث أنس أخرجه أحمد ، والبزار ، وابن منده بإسناد صحيح ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أسمر ، وفيه روايات كثيرة مختلفة ، فعند النظر يظهر من مجموعها أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط البياض ، وأن المراد بالبياض المثبت ما يخالط الحمرة ، والمنفي ما لا يخالطه ، وهو الذي تكرهه العرب ، وتسميه أمهق ، وبهذا يظهر أن رواية المروزي أمهق ليس بأبيض مقلوبة على أنه يمكن توجهيه بما ذكرناه عن الكرماني آنفا . قوله : ليس بجعد قطط ، الجعد بفتح الجيم ، وسكون العين المهملة ، والقطط بفتحتين ، والجعودة في الشعر أن لا يتكسر ولا يسترسل ، والقطط شديد الجعودة ، وفي التلويح الشعر القطط شبيه بشعر السودان .

قوله : ولا سبط ، بفتح السين المهملة ، وكسر الباء الموحدة من السبوطة ، وهي ضد الجعودة ، والحاصل أنه وسط بين الجعودة والسبوطة ، ويقال : يعني شعره ليس بهاتين الصفتين ، وإنما فيه جعدة بصقلة . قوله : رجل ، بفتح الراء ، وكسر الجيم ، وقيل : بفتحها ، وقيل : بسكونها ، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو رجل ، أي : مسترسل ، وقيل : منسرح . وفي حديث الترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه ، ولم يكن بالجعد القطط ، ولا بالسبط كان جعدا رجلا ، ووقع عند الأصيلي : رجل بالجر ، قيل : إنه وهم ، ويمكن توجيهه على أنه جر بالمجاورة ، ويروى في بعض الروايات رجل ، بفتح اللام ، وتشديد الجيم على أنه فعل ماض ، فإن صحت هذه الرواية فلا يظهر وجه وقوعه هكذا إلا بتعسف .

قوله : أنزل عليه ، يعني : الوحي . وفي رواية مالك : بعثه الله . قوله : وهو ابن أربعين سنة ، جملة حالية ، يعني : وعمره أربعون سنة ، وهو قول الأكثرين ، وقيل : أنزل عليه الوحي بعد أربعين سنة ، وعشرة أيام ، وقيل : وشهرين ، وذلك يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان ، وقيل : لسبع ، وقيل : لأربع وعشرين ليلة منه فيما ذكره ابن عساكر ، وعن أبي قلابة نزل عليه الوحي لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان ، وعند المسعودي يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول ، وعند ابن إسحاق ابتدأ بالتنزيل يوم الجمعة من رمضان بغتة ، وعمره أربعون سنة وعشرون يوما ، وهو تاسع شباط لسبعمائة وأربعة وعشرين عاما من سني ذي القرنين .

وقال ابن عبد البر : يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل ، وقيل : في أول ربيع ، وفي تاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة ، وعن مكحول : أوحي إليه بعد اثنتين وأربعين سنة . وقال الواقدي ، وابن أبي عاصم ، والدولابي في تاريخه : نزل عليه القرآن ، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ، وفي تاريخ أبي عبد الرحمن العتقي ، وهو ابن خمس وأربعين سنة لسبع وعشرين من رجب ، قاله الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما ، وجمع بين هذه الأقوال ، والأول بأن ذلك حين حمي الوحي وتتابع ، وعند الحاكم مصححا أن إسرافيل عليه السلام وكل به ثلاث سنين قبل جبريل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنكر ذلك الواقدي . وقال : أهل العلم ببلدنا ينكرون أن يكون وكل به غير جبريل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وزعم السهيلي أن إسرافيل ، وكل به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدربا وتدريجا لجبريل كما كان أول نبوته الرؤيا الصادقة .

قوله : فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه ، أي : الوحي ، وهذا يقتضي أنه عاش ستين سنة ، وأخرج مسلم من وجه آخر عن أنس ، أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاش ثلاثا وستين سنة ، وهو موافق لحديث عائشة الذي مضى عن قريب ، وبه قال الجمهور ، والله أعلم . قوله : وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء ، يعني : دون ذلك ، فإن قلت : روى ابن إسحاق بن راهويه ، وابن حبان ، والبيهقي من حديث ابن عمر : كان شيب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه ، فهذا وحديث أنس يقتضي أن يكون أكثر من عشرة إلى ما دون عشرين ، وحديث عبد الله بن بسر الماضي يدل على أنها كانت عشرة ؛ لأنه قال : عشر شعرات بصيغة جمع القلة ، وقد ذكرنا عن قريب أن جمع القلة لا يزيد على عشرة ، قلت : التوفيق بين هذا أن حديث ابن بسر في شعرات عنفقته ، وما زاد على ذلك يكون في صدغيه كما في حديث البراء رضي الله تعالى عنه . فإن قلت : روى ابن سعد بإسناد صحيح ، عن حميد ، عن أنس ، في أثناء حديث قال : لم يبلغ ما في لحيته من الشعر عشرين شعرة .

قال حميد : وأومأ إلى عنفقته سبع عشرة ، وروي أيضا بإسناد صحيح ، عن ثابت ، عن أنس قال : ما كان في رأس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة . وروى ابن أبي خيثمة من حديث حميد ، عن أنس لم يكن في لحية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرون شعرة بيضاء . قال حميد : كن سبع عشرة ، وروى الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن أنس قال : لو عددت ما أقبل من شيبه في رأسه ولحيته ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة .

قلت : هذه أربع روايات عن أنس كلها تدل على أن شعراته البيض لم تبلغ عشرين شعرة . والرواية الثانية توضح بأن ما دون العشرين كان سبع عشرة أو ثمان عشرة فيكون كما ذكرنا العشرة على عنفقته ، والزائد عليها يكون في بقية لحيته ؛ لأنه قال في الرواية الثالثة : لم يكن في لحية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرون شعرة بيضاء ، واللحية تشمل العنفقة وغيرها ، وكون العشرة على العنفقة بحديث عبد الله بن بسر ، والبقية بالأحاديث الأخر في بقية لحيته ، وكون حميد أشار إلى عنفقته سبع عشرة ليس يفهم ذلك من نفس الحديث ، والحديث لا يدل إلا على ما ذكرنا من التوفيق ، وأما الرواية الرابعة التي رواها الحاكم فلا تنافي كون العشرة على العنفقة ، والواحد على غيرها ، وهذا الموضع موضع تأمل . قوله : قال ربيعة هو موصول بالإسناد المذكور .

قوله : فسألت . قيل : يمكن أن يكون المسؤول عنه أنسا . ويدل عليه ما رواه محمد بن عقيل أن عمر بن عبد العزيز قال لأنس : هل خضب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فإني رأيت شعرا من شعره قد لون ، فقال : إنما هذا الأثر قد لون من الطيب الذي كان يطيب به شعر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فهو الذي غير لونه فيحتمل أن يكون ربيعة سأل أنسا عن ذلك ، فأجابه بقوله أحمر من الطيب ، يعني : لم يخضب ، والله أعلم .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث