باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي رضي الله عنه
حدثنا أحمد بن أبي بكر ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس كانوا يقولون : أكثر أبو هريرة : وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ، ولا ألبس الحبير ، ولا يخدمني فلان ولا فلانة ، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع ، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان يقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها . مطابقته للترجمة في قوله : وكان أخير الناس.. . إلى آخره ؛ لأن هذا منقبة حسنة .
وأحمد بن أبي بكر واسمه قاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب القرشي الزهري ، ومحمد بن إبراهيم بن دينار يروي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، وهؤلاء كلهم مدنيون . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأطعمة عن عبد الرحمن بن أبي شيبة ، عن ابن أبي فديك . قوله : أكثر أبو هريرة أي : في رواية الحديث .
قوله : بشبع أي : بسبب شبع بطني . وفي رواية الكشميهني : لشبع بطني أي : لأجل شبع بطني ، بكسر الشين ، وفتح الباء . قوله : حتى لا آكل هذه رواية الكشميهني .
وفي رواية غيره : حين لا آكل ، وهو الأوجه . قوله : الخمير بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم ، وهو الخبز الذي خمر وجعل في عجينه الخميرة ، ويروى الخبيز بكسر الباء الموحدة وفي آخره زاي ، وهو الخبز المأدوم والخبزة بضم المعجمة وسكون الباء الموحدة وبالزاي الأدم . قوله : ولا ألبس الحبير ، بفتح الحاء المهملة وكسر الباء الموحدة وبالراء في آخره الجديد والحسن ، وقيل : الثوب المحبر كالبرود اليمانية ، وقال الهروي : الحبير ثياب تصبغ باليمن ، ويروى : ولا ألبس الحرير .
قوله : فلان وفلانة أراد به من يخدم من الذكور والإناث . قوله : وكنت ألصق بطني وفائدة إلصاق البطن بالحصباء انكسار حرارة شدة الجوع . وقوله : وإن كنت لاستقرئ الرجل قال بعضهم أي : أطلب منه القرى ، فيظن أني أطلب منه القراءة .
قال : ووقع بيان ذلك في رواية لأبي نعيم في الحلية عن أبي هريرة أنه وجد عمر ، فقال : أقريني فظن أنه من القراءة ، فأخذ يقرئه القرآن ، ولم يطعمه ، قال : وإنما أردت منه الطعام ، انتهى . قلت : هذا الذي قاله غير صحيح ، ويظهر فساده من قوله : كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي أي : والحال أن تلك الآية معي ، وهي جملة اسمية ، وقعت حالا بغير واو . قال الكرماني : أي الآية معي أي كنت أحفظها ، والحاصل أن أبا هريرة يقول لواحد من الناس : إني أطلب قراءة آية من القرآن ، والحال أنه يحفظها ، ولكن يتخيل في قصده من هذا أن يؤديه إلى بيته فيطعمه شيئا ، وهو معنى قوله : كي ينقلب بي أي : يرجع بي إلى منزله فيطعمني شيئا ، والدليل على هذا ما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة : إن كنت لأسأل الرجل عن الآية ، وأنا أعلم بها منه ما أسأله إلا ليطعمني شيئا ، واستدلال هذا القائل على المعنى الذي فسره بما رواه أبو نعيم لا يفيده أصلا ؛ لأنه قضية أخرى مخصوصة بما وقع بينه وبين عمر رضي الله تعالى عنه ، والذي هنا أعم من ذلك .
قوله : وكان أخير الناس على وزن أفعل التفضيل ، وفي رواية الكشميهني : وكان خير الناس لغتان فصيحتان مستعملتان . قوله : للمساكين . وفي رواية الكشميهني : للمسكين بالإفراد ، وهو جنس يتناول المساكين ، وكان جعفر يسمى بأبي المساكين ، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يكنيه بهذا .
قوله : ما كان في بيته في محل النصب ؛ لأنه مفعول ثان ليطعمنا . قوله : حتى إن كان ، كلمة إن هذه مخففة من المثقلة . قوله : ليخرج ، بضم الياء من الإخراج والعكة بالنصب مفعوله ، وهي بضم العين المهملة وتشديد الكاف وعاء السمن .
قوله : فنلعق بنون المتكلم مع الغير من لعق يلعق من باب علم يعلم لعقا بفتح اللام ، وهو اللحس . فإن قلت : بين قوله : ليس فيها شيء وبين قوله : فنلعق منافاة ظاهرا . قلت : لا منافاة ؛ لأن معنى قوله : ليس فيها شيء يعني يمكن إخراجه منها بغير قطعها ، ومعنى قوله : فنلعق يعني بعد الشق نلعق مما يبقى في جوانبها ، فافهم .