باب أيام الجاهلية
حدثنا قتيبة ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله ، فكانت قريش تحلف بآبائها فقال : لا تحلفوا بآبائكم مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه ؛ فإن فيه النهي عن الحلف بالآباء لأنه من أفعال الجاهلية ، والحديث أخرجه مسلم في الأيمان والنذور عن يحيى بن يحيى ، ويحيى بن أيوب ، وقتيبة ، وعلي بن حجر ، وأخرجه النسائي فيه عن علي بن حجر ، وكلمة ألا للتنبيه فتدل على تحقق ما قبلها . قوله : من كان حالفا يعني من أراد أن يحلف لتأكيد فعل أو قول فلا يحلف إلا بالله ؛ لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به ، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى فلا يضاهى به غيره ، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لأن أحلف بالله تعالى مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر ، ويكره الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته ، وسواء في ذلك النبي والكعبة والملائكة والأمانة والروح وغير ذلك ، ومن أشدها كراهة الحلف بالأمانة . ( فإن قلت ) : قد أقسم الله تعالى بمخلوقاته كقوله : ( والصافات ) ( والذاريات ) ( والعاديات ) .
( قلت ) : إن لله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على شرفها ، قوله : فكانت قريش تحلف بآبائها بأن يقول واحد منهم عند إرادة الحلف : وأبي أفعل هذا ، أو وأبي لا أفعل ، أو يقول : وحق أبي أو تربة أبي ونحو ذلك ، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال : لا تحلفوا بآبائكم لأن هذا من أيمان الجاهلية ، وفي رواية مسلم : إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ، وفي رواية : لا تحلفوا بالطواغيت ولا بآبائكم ، قال النووي : ( فإن قيل ) : هذا الحديث مخالف لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم ( أفلح وأبيه إن صدق ) ( فجوابه ) إن هذه كلمة تجري على اللسان لا يقصد بها اليمين ، وقال غيره : بل هي من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد ، ولا يراد بها القسم ، كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلى النداء .