حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب أيام الجاهلية

( القسامة في الجاهلية )

328 - حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا قطن أبو الهيثم ، حدثنا أبو يزيد المدني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم ، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى ، فانطلق معه في إبله ، فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فقال : أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل ، فأعطاه عقالا فشد به عروة جوالقه ، فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرا واحدا ، فقال الذي استأجره : ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل ؟ قال : ليس له عقال ، قال : فأين عقاله ؟ قال : فحذفه بعصا كان فيها أجله ، فمر به رجل من أهل اليمن فقال : أتشهد الموسم ؟ قال : ما أشهد وربما شهدته ، قال : هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر ؟ قال : نعم ، قال : فكنت إذا أنت شهدت الموسم فناد : يا آل قريش ، فإذا أجابوك فناد : يا آل بني هاشم ، فإن أجابوك فسل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال ، ومات المستأجر ، فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال : ما فعل صاحبنا ؟ قال : مرض فأحسنت القيام عليه فوليت دفنه ، قال : قد كان أهل ذاك منك ، فمكث حينا ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال : يا آل قريش ، قالوا : هذه قريش ، قال : يا آل بني هاشم ، قالوا : هذه بنو هاشم ، قال : أين أبو طالب ؟ قالوا : هذا أبو طالب ، قال : أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلانا قتله في عقال ، فأتاه أبو طالب فقال له : اختر منا إحدى ثلاث : إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا ، وإن شئت حلف خمسون من قومك إنك لم تقتله ، فإن أبيت قتلناك به ، فأتى قومه فقالوا : نحلف ، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له فقالت : يا أبا طالب أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان ، ففعل فأتاه رجل منهم فقال : يا أبا طالب أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل يصيب كل رجل بعيران هذان بعيران فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان ، فقبلهما ، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا ، قال ابن عباس : فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف . ج١٦ / ص٢٩٧مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو معمر عبد الله بن عمرو المقعد ، وقد تكرر ذكره ، وعبد الوارث هو بن سعيد أبو عبيدة ، وقطن بالقاف والطاء المهملة ثم النون هو ابن كعب أبو الهيثم القطعي بضم القاف البصري ، وأبو يزيد من الزيادة المدني البصري ، ويقال له المديني بزيادة الياء آخر الحروف ، ولعل أصله كان من المدينة ولكن لم يرو عنه أحد من أهل المدينة ، وسئل عنه مالك فلم يعرفه ولا عرف اسمه ، وقد وثقه ابن معين وغيره وليس له ولا للراوي عنه في البخاري إلا هذا الحديث .

وأخرجه النسائي في القسامة عن محمد بن يحيى ، عن معمر ، نحوه . ( ذكر معناه ) قوله : " إن أول قسامة " أي في حكم أبي طالب ، واختلفوا في أول من سن الدية مائة من الإبل ، فقال ابن إسحاق : عبد المطلب ، وقيل : القلمس ، وقيل : النضر بن كنانة بن خزيمة قتل أخاه لأمه فوداه مائة من الإبل من ماله ، وقال ابن الكلبي : وثب ابن كنانة على علي بن مسعود فقتله ، فوداه خزيمة بمائة من الإبل فهي أول دية كانت في العرب ، وقيل : قتل معاوية بن بكر بن هوازن أخاه زيدا فوداه عامر بن الضرب مائة من الإبل ، فهي أول دية كانت في العرب ، قوله : " لفينا " في محل الرفع لأنه خبر لقوله " أول قسامة " ، واللام فيه لتأكيد معنى الحكم بها ، قوله : " بني هاشم " مجرور لأنه بدل من الضمير المجرور ، وقال الكرماني : إنه منصوب على الاختصاص ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون نصبا على التمييز أو على النداء بحذف حرف النداء . ( قلت ) : لا وجه لأن يكون منصوبا على التمييز لأن التمييز ما يرفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة أو مقدرة ، والمراد بالإبهام المستقر ما كان بالوضع أي ما وضعه الواضع مبهما ، وليس في قوله " لفينا " إبهام بوضع الواضع ، ولا وجه أيضا لأن يكون منصوبا على النداء لأن المنادي غير المنادى ، وهنا قوله " بني هاشم " هو معنى قوله " لفينا " والوجه ما ذكرناه .

قوله : " كان رجل من بني هاشم " هو عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف نص عليه الزبير بن بكار في هذه القصة ، وسماه ابن الكلبي عامرا ، قوله : " استأجره رجل " قال الكرماني : وفي بعضها حذف المفعول منه ، وجاء على الوجهين هكذا استأجر رجل في رواية الأصيلي وأبي ذر ، وفي رواية كريمة وغيرها استأجر رجلا من قريش وهو مقلوب ، والأول هو الصواب ، قوله : " من فخذ أخرى " بكسر الخاء المعجمة وقد تسكن ، والفخذ أقل من البطن الأقل من العمارة الأقل من الفصيلة الأقل من القبيلة ، ونص الزبير بن بكار على أن المستأجر المذكور هو خداش بن عبد الله بن أبي قيس العامري ، وخداش بكسر الخاء المعجمة وبدال مهملة وشين معجمة ، قوله : " فمر به " أي بالأجير ، قوله : " عروة جوالقه " بضم الجيم وكسر اللام الوعاء من جلود وثياب وغيرها ، وهو فارسي معرب ، وأصله كواله ، والجمع الجوالق بفتح الجيم ، والجواليق بزيادة الياء آخر الحروف ، قوله : " أغثني " من الإغاثة بالغين المعجمة والثاء المثلثة ، ومعناه أعني بالعين المهملة والنون ، قوله : " بعقال " بكسر العين المهملة وهو الحبل ، قوله : " فحذفه " فيه حذف تقديره فأعطيته ، فحذفه بالحاء المهملة ويروى بالمعجمة أي رماه ، والحذف الرمي بالأصابع ، قوله : " كان فيها أجله " أي فأصاب مقتله وأشرف على الموت بدليل قوله " فمر به رجل من أهل اليمن " قبل أن يقضي قوله " أتشهد الموسم " أي موسم الحج ومجتمعهم ، قوله : " مرة من الدهر " أي وقتا من الأوقات ، قوله : " قال فكنت " بضم الكاف وسكون النون من الكون ، هكذا رواية أبي ذر والأصيلي ، وفي رواية الأكثرين : " فكتب " من الكتابة وهو الأوجه ، وفي رواية الزبير بن بكار : " فكتب إلى أبي طالب يخبره بذلك " ، قوله : " يا آل قريش " الهمزة للاستغاثة ، قوله : " يا آل بني هاشم " ، وفي رواية الكشميهني : " يا بني هاشم " ، قوله : " قتلني في عقال " أي بسبب عقال ، قوله : " ومات المستأجر " بفتح الجيم ، قوله : " أهل ذاك " بالنصب ويروى ذلك ، قوله : " وافى الموسم " أي أتاه ، قوله : " أين أبو طالب " هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : " من أبو طالب " ، قوله : " أن فلانا قتله " ويروى : " فتكه " بالفاء والكاف ، قوله : " إحدى ثلاث " يحتمل أن تكون هذه الثلاث كانت معروفة بينهم ، ويحتمل أن يكون شيء اخترعه أبو طالب ، وقال ابن التين : لم ينقل أنهم تشاوروا في ذلك ولا تدافعوا ، فدل على أنهم كانوا يعرفون القسامة قبل ذلك ، قيل : فيه نظر لقول ابن عباس راوي الحديث " إنها أول قسامة " ورد بأنه يمكن أن يكون مراد ابن عباس الوقوع وإن كانوا يعرفون الحكم قبل ذلك ، وقد ذكرنا الاختلاف فيه عن قريب ، قوله : " إن شئت أن تؤدي " ويروى : " تؤدي " بدون لفظة أن ، قوله : " فإنك " الفاء فيه للسببية ، قوله : " حلف " فعل ماض وخمسون بالرفع فاعله ، قوله : " فأتته امرأة من بني هاشم " هي زينب بنت ج١٦ / ص٢٩٨علقمة أخت المقتول ، وكانت تحت رجل منهم وهو عبد العزيز بن أبي قيس العامري ، واسم ولدها منه حويطب مصغرا بمهملتين ، وقد عاش حويطب بعد هذا دهرا طويلا وله صحبة ، وسيأتي حديثه في كتاب الأحكام ، قوله : " أن تجيز ابني هذا " بالجيم والزاي أي تهبه ما يلزمه من اليمين ، وقال صاحب ( جامع الأصول ) : إن كان تجير بالراء فمعناه تؤمنه من اليمين ، وإن كان بالزاي فمعناه تأذن له في ترك اليمين ، قوله : " ولا تصبر يمينه " بالصاد المهملة وبالباء الموحدة المضمومة ، قال الجوهري : صبر الرجل إذا حلف صبرا إذا حبس على اليمين حتى يحلف ، والمصبورة هي اليمين ، وقال الخطابي : معنى الصبر في الأيمان الإلزام حتى لا يسعه أن لا يحلف ، وحاصل معنى صبر اليمين هو أن يلزم المأمور بها ويكره عليها ، قوله : " حيث تصبر الأيمان " أي بين الركن والمقام ، وقال صاحب ( التوضيح ) : ومن هذا استدل الشافعي على أنه لا يحلف بين الركن والمقام على أقل من عشرين دينارا وهو ما يجب فيه الزكاة ، قيل : لا يدرى كيف يستقيم هذا الاستدلال ولم يذكر أحد من أصحاب الشافعي أن الشافعي استدل لذلك بهذه القضية ، قوله : " فحلفوا " زاد ابن الكلبي : حلفوا عند الركن أن خداشا بريء من دم المقتول ، قوله : " قال ابن عباس : والذي نفسي بيده " قال ابن التين : كان الذي أخبر ابن عباس بذلك جماعة اطمأنت نفسه إلى صدقهم حتى وسعه أن يحلف على ذلك ، قيل : يعني أنه كان حين القسامة لم يولد ، ويحتمل أن يكون الذي أخبره بذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا وجه دخول هذا الحديث في ( الصحيح ) ، قوله : " فما حال الحول " أي من يوم حلفوا ، قوله : " ومن ثمانية وأربعين " وفي رواية أبي ذر " ومن الثمانية " ، وعند الأصيلي : " والأربعين " ، قوله : " عين تطرف " بكسر الراء أي تتحرك ، وزاد ابن الكلبي : وصارت رباع الجميع لحويطب ؛ فلذلك كان أكثر من بمكة رباعا ، وكان في الجاهلية أن من ظلم أحدا يعجل له عقوبته ، وروى الفاكهي من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال : حلف ناس عند البيت قسامة على باطل ثم خرجوا فنزلوا تحت صخرة فانهدمت عليهم ، قال عمر رضي الله تعالى عنه : كان يفعل بهم ذلك في الجاهلية ليتناهوا عن الظلم لأنهم كانوا لا يعرفون البعث ، فلما جاء الإسلام أخر القصاص إلى يوم القيامة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث