حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب أيام الجاهلية

حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا هشيم ، عن حصين ، عن عمرو بن ميمون قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ونعيم بضم النون ابن حماد بتشديد الميم أبو عبد الله الرفاء الفارض المروزي سكن مصر ، قال أبو داود : مات سنة ثمان وعشرين ومائتين ، وهشيم بضم الهاء ابن بشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة السلمي الواسطي ، وحصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي ، وعمرو بفتح العين ابن ميمون قد مر عن قريب . قوله : قردة بكسر القاف وسكون الراء وهي الحيوان المشهور ، وتجمع على قرود وقردة أيضا بكسر القاف وفتح الراء كما في متن الحديث ، قوله : قد زنت حال من قردة المفردة ، ( فإن قلت ) : كيف ذكر قوله اجتمع مع أن فاعله جماعة وهو قوله قردة ، وكذلك ذكر الضمير المرفوع في رجموها وفي قوله معهم ؟ ( قلت ) : ( أما الأول ) : فلوقوع الفصل بين الفعل والفاعل ، ( وأما الثاني ) : فباعتبار أن الراوي كان بين القردة فغلب المذكر على المؤنث ، وأصل هذه القصة ما ذكرها الإسماعيلي مشروحة من طريق عيسى بن حطان ، عن عمرو بن ميمون قال : كنت في اليمن في غنم لأهلي وأنا على شرف ، فجاء قرد مع قردة فتوسد يدها ، فجاء قرد أصغر منه فغمزها فسلت يدها من تحت رأس القرد الأول سلا رفيقا وتبعته ، فوقع عليها وأنا أنظر ، ثم رجعت فجعلت تدخل يدها من تحت خد الأول برفق فاستيقظ فزعا ، فشمها فصاح ، فاجتمعت القرود ، فجعل يصيخ ويومي إليها بيده ، فذهب القرود يمنة ويسرة فجاءوا بذلك القرد أعرفه ، فحفروا لهما حفرة فرجموهما ، فلقد رأيت الرجم في غير بني آدم ، وقال ابن التين : لعل هؤلاء كانوا من نسل الذين مسخوا فبقي فيهم ذلك الحكم ، وقال ابن عبد البر : إضافة الزنا إلى غير المكلف وإقامة الحدود في البهائم عند جماعة أهل العلم منكر ، ولو صح لكانوا من الجن ؛ لأن العبادات في الجن والإنس دون غيرهما ، وقال الكرماني : يحتمل أن يقال كانوا من الإنس فمسخوا قردة وتغيروا عن الصورة الإنسانية فقط ، وكان صورته صورة الزنا والرجم ، ولم يكن ثمة تكليف ولا حد ، وإنما ظنه الذي ظن في الجاهلية مع أن هذه الحكاية لم توجد في بعض نسخ البخاري ، وقال الحميدي في ( الجمع بين الصحيحين ) : هذا الحديث وقع في بعض نسخ البخاري ، وأن أبا مسعود وحده ذكره في ( الأطراف ) قال : وليس هذا في نسخ البخاري أصلا فلعله من الأحاديث المقحمة في كتاب البخاري ، وقال بعضهم في الرد على ابن التين : بأنه ثبت في ( صحيح مسلم ) أن الممسوخ لا نسل له ، ويعكر عليه بما ثبت أيضا في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لما أوتي بالضب قال : لعله من القرون التي مسخت ، وقال في الفأر : فقدت أمة من بني إسرائيل لا أراها إلا الفأر ، وإليه ذهب أبو إسحاق الزجاج ، وأبو بكر بن العربي حيث قالا : إن الموجود من القردة من نسل الممسوخ ، وأجيب بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال ذلك قبل الوحي إليه بحقيقة الأمر في ذلك ، وفيه نظر لعدم الدليل عليه ، وقال في الرد على ابن عبد البر : بأنه لا يلزم من كون صورة الواقعة صورة الزنا والرجم أن يكون ذلك زنا حقيقة ولا حدا ، وإنما أطلق ذلك عليه لشبهه به فلا يستلزم ذلك إيقاع التكليف على الحيوان ، وأجيب عنه بالجواب الأول من جوابي الكرماني في ذلك ، وقال في الرد على الحميدي بقوله : وما قاله الحميدي مردود فإن الحديث المذكور في معظم الأصول التي وقفنا عليها ، ورد عليه بأن وقوف الحميدي على الأصول أكثر وأصح من وقوف هذا المعترض لأنه جمع بين ( الصحيحين ) ، ومثله أدرى بحالهما ، ولو كان في أصل البخاري هذا الحديث لم يجزم بنفيه عن الأصول قطعا وجزما على أنه غير موجود في رواية النسفي ، وقال هذا القائل أيضا : وتجويز الحميدي أن يزاد في ( صحيح البخاري ) ما ليس منه ينافي ما عليه العلماء من الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاري في كتابه ، ومن اتفاقهم على أنه مقطوع بنسبته إليه ، ( قلت ) : فيه نظر لأن منهم من تعرض إلى بعض رجاله بعدم الوثوق ، وبكونه من أهل الأهواء ، ودعوى الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاري فيه غير موجهة لأن دعوى الكلية تحتاج إلى دليل قاطع ، ويرد ما قاله أيضا بأن النسفي لم يذكر هذا الحديث فيه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث