باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة
( باب ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة ) 334 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا بيان ، وإسماعيل قالا : سمعنا قيسا يقول : سمعت خبابا يقول : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد برده وهو في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : ألا تدعو الله ؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال : " لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ، زاد بيان : والذئب على غنمه " . مطابقته للترجمة في قوله " ولقد لقينا من المشركين شدة " ، والحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى ، ونسبته إلى أحد أجداده حميد ، وقد تكرر ذكره ، وسفيان هو ابن عيينة ، وبيان بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف ابن بشر الأحمسي المعلم الكوفي ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد ، وقيس هو ابن أبي حازم ، وخباب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة الأولى ابن الأرت بفتح الهمزة والراء وتشديد التاء المثناة من فوق ابن حنظلة مولى خزاعة .
والحديث مضى في علامات النبوة ، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن المثنى ، عن يحيى ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن خباب ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : " وهو متوسد " الواو فيه للحال ، قوله : " برده " بهاء الضمير رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : " بردة " بتاء الإفراد ، قوله : " وهو في ظل الكعبة " الواو فيه للحال ؛ أي والحال أنه متوسد بردة له في ظل الكعبة ، قوله : " وقد لقينا " الواو فيه أيضا للحال وإن كان يحتمل غيره ، قوله : " وهو محمر وجهه " الواو فيه للحال ، قيل : من أثر النوم ، وقال ابن التين : من الغضب وهو الأوجه ، قوله : " من كان " بفتح الميم وسكون النون موصول ، وأراد بهم الأنبياء الذين تقدموا وأتباعهم ، قوله : " ليمشط " على صيغة المجهول ، قوله : " بمشاط الحديد " بكسر الميم في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : " بأمشاط " بفتح الهمزة وسكون الميم وكلاهما جمع مشط بضم الميم وكسرها ، وأنكر ابن دريد الكسر في المفرد ، قوله : " ذلك " أي قتلهم المسلمين من المشط أو الإمشاط وكلاهما مصدر ، قوله : " ويوضع المنشار " بكسر الميم وسكون النون وهي الآلة التي ينشر بها الأخشاب ، ويروى " الميشار " ج١٦ / ص٣٠٥بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف يهمز ولا يهمز ، قوله : " باثنين " ويروى باثنتين ، قوله : " ذلك " أي وضع المنشار على مفرق رأسه ، قوله : " وليتمن الله " بضم الياء آخر الحروف وكسر التاء المثناة من فوق من الإتمام واللام فيه للتأكيد ، ولفظ الله مرفوع فاعله قوله " هذا الأمر " أي أمر الإسلام ، قوله : " من صنعاء إلى حضر موت " الصنعاء صنعاء اليمن أعظم مدنها وأجلها تشبه بدمشق في كثرة البساتين والمياه ، وحضر موت بلد عامر باليمن كثير التمر بينه وبين الشحر أربعة أيام ، وهي بليدة قريبة من عدن بينه وبين صنعاء ثلاث مراحل ، قوله : " زاد بيان " أي زاد بيان الراوي في حديثه " والذئب " بالنصب عطف على المستثنى منه لا على المستثنى ، كذا قاله الكرماني ، وقال بعضهم : ولا يمتنع أن يكون عطفا على المستثنى ، والتقدير : ولا يخاف على غنمه إلا الذئب لأن مساق الحديث إنما هو للأمن من عدوان بعض الناس على بعض كما كانوا في الجاهلية لا للأمن من عدوان الذئب ، فإن ذلك إنما يكون في آخر الزمان عند نزول عيسى عليه السلام ، انتهى . ( قلت ) : هذا تصرف عجيب لأن مساق الحديث أعم من عدوان الناس وعدوان الذئب ونحوه ؛ لأن قوله " الراكب " أعم من أن يكون معه غنم أو غيره ، وعدم خوفه يكون من الناس والحيوان ، وقوله : فإن ذلك إنما يكون في آخر الزمان إلى آخره غير مختص بزمان عيسى عليه الصلاة والسلام ، وإنما وقع هذا في زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، فإن الرعاة كانوا آمنين من الذئاب في أيامه حتى إنهم ما عرفوا موته رضي الله تعالى عنه إلا بعدوان الذئب على الغنم ، ولئن سلمنا أن ذلك في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ، وزمن عيسى عليه الصلاة والسلام بعد نزوله فهو محسوب من زمن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأنه ينزل وهو تابع للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما عرف في موضعه .