باب
حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده قال : قال عبد الرحمن بن عوف : إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن ، فكأني لم آمن بمكانهما ، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه : يا عم ، أرني أبا جهل ، فقلت : يا ابن أخي ، وما تصنع به ؟ قال : عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه ، فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله ، قال : فما سرني أني بين رجلين مكانهما ، فأشرت لهما إليه ، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه ، وهما ابنا عفراء . وجه ذكره هنا ما ذكرناه في أول الباب . ويعقوب ذكر مجردا في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية أبي ذر والأصيلي يعقوب بن إبراهيم ، وجزم الكلاباذي بأنه ابن حميد بن كاسب ، وذكر في رجال الصحيحين ، وللبخاري وحده يعقوب غير منسوب ، يقال : هو ابن حميد بن كاسب أبو يوسف المدني ، سكن مكة ، سمع إبراهيم بن سعد ، روى عنه البخاري ، وقيل له : يعقوب بن كاسب ما قولك فيه ؟ قال : لم نر إلا خيرا ، وهو في الأصل صدوق ، روى عنه في الصلح ، وفي باب من شهد بدرا من الملائكة ، وقال : مات آخر سنة أربعين ومائتين ، وقال الكرماني : الحديث مسلسل بالأبوة ؛ إذ هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ، يعني كل واحد منهم يروي عن أبيه ، قلت : هذا غلط ؛ لأن يعقوب مات قبل أن يرحل البخاري ، وروى له الكثير بواسطة ، والذي قاله الكرماني جوزه أبو مسعود في الأطراف ، ولكنهم غلطوه ، فكأن الكرماني لم يطلع إلا على هذا فجزم بأنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، والآفة في مثل هذا من عدم التأمل والتقليد ، ومال المزي إلى أنه يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، والله أعلم ، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - يروي عن أبيه سعد ، وسعد يروي عن جده عبد الرحمن بن عوف .
والحديث مضى في الخمس في باب من لم يخمس الأسلاب ، فإنه أخرجه هناك عن مسدد عن يوسف بن الماجشون بأتم منه وأطول ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله: فكأني لم آمن بمكانهما أي : من العدو لجهة مكانهما ، ويحتمل أن يكون مكانهما كناية عنهما ، أي : لم أثق بهما لأنه لم يعرفهما فلم يأمن أن يكونا من العدو ، وجاء في مغازي ابن عائذ ما يوضح معنى هذا ، فإنه أخرج هذه القصة مطولة بإسناد منقطع ، وزاد فيها : فأشفقت أن يؤتى الناس من ناحيتي لكوني بين غلامين حديثين . قوله : إذ قال أي : حين قال لي أحدهما ، أي : أحد الغلامين المذكورين .
قوله : أرني بفتح الهمزة أمر من الإراءة . قوله : إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه أي : أو أن أموت دونه ، وكلمة أو هنا يصلح أن تكون شرطية لأنها من جملة معانيها الاثنا عشر ، ولكن التحقيق هنا أن كلمة أو بمعنى الواو ، ولكن الفعل الذي قبلها دل على معنى حرف الشرط فدخلها معنى الشرط ، والأولى أن تكون بمعنى إلى ، والمعنى : إن رأيته أعالج قتله إلى أن أموت دونه . قوله : فما سرني كلمة ما للنفي .
قوله : مكانهما أي : بدلهما . قوله : إليه أي : إلى أبي جهل . قوله : مثل الصقرين تثنية صقر ، وهو الطائر الذي يصاد به ، وإنما شبههما بالصقر لما فيه من الشهامة والإقدام على الصيد ، ولأنه إذا نشب لم يفارقه حتى يأخذه ، وأول من صاد بالصقر من العرب الحارث بن معاوية بن ثور الكندي ، ثم اشتهر الصيد به .
قوله : وهما أي : الغلامان المذكوران ابنا عفراء معاذ ومعوذ ، وقد مر البحث فيه قريبا وبعيدا .