باب غزوة أحد
أخبرنا حسان بن حسان ، حدثنا محمد بن طلحة ، حدثنا حميد ، عن أنس رضي الله عنه أن عمه غاب عن بدر ، فقال : غبت عن أول قتال النبي صلى الله عليه وسلم ! لئن أشهدني الله مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليرين الله ما أَجِدُّ ! فلقي يوم أحد فهزم الناس ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون ! فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ ، فقال : أين يا سعد ؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد ! فمضى فقتل ، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وحسان بن حسان ويقال له حسان بن أبي عباد أبو علي البصري ، سكن مكة ، وهو من شيوخ البخاري القدماء ، روى عنه هنا وفي العمرة ، ومات سنة ثلاث عشرة ومائتين . ومحمد بن طلحة بن مصرف - على وزن اسم الفاعل من التصريف - الهمداني اليامي ، وحميد هو الطويل .
والحديث مضى في الجهاد في باب قول الله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ ؛ فإنه أخرجه هناك من طريقين بأتم منه ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله أن عمه وهو أنس بن النضر - بسكون الضاد المعجمة . قوله عن بدر ؛ أي عن غزوة بدر .
قوله عن أول قتال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، أراد به أول القتالات العظيمة ، وليس المراد به أول الغزوات . قوله ليرين الله بفتح الياء آخر الحروف والراء والياء أيضا وتشديد النون ، وهو فعل مضارع مؤكد باللام والنون الثقيلة ، ولفظة الله بالرفع فاعله . قوله ما أَجِدُّ بفتح الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال ، قال بعضهم : هو من الرباعي ، يقال أجد في الشيء يجد إذا بالغ فيه .
قلت : قوله من الرباعي ليس باصطلاح أهل الصرف ، بل هو مضاعف من الثلاثي المزيد فيه ، وهو هكذا رواية الأكثرين ، وقال ابن التين : صوابه بفتح الهمزة وضم الجيم ، يقال جد يجد إذا اجتهد في الأمر ، وأما أجد فإنما يقال لمن سار في أرض مستوية ولا معنى له ههنا . قال : وضبطه بعضهم بفتح الهمزة وكسر الجيم وتخفيف الدال من الوجد ؛ أي ما ألقى من الشدة في القتال . قوله فهزم الناس على صيغة المجهول .
قوله فقال : أين يا سعد ؟ ، ويروى أي سعد ؛ يعني يا سعد . قوله إني أجد ريح الجنة كناية عن شدة قتاله في ذلك اليوم المؤدي إلى استشهاده المؤدي إلى الجنة ، وقيل : يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شم رائحة طيبة زائدة عما كان يعهده فعرف أنها ريح الجنة ، وفيه نظر لا يخفى . قوله دون أحد ؛ أي عند أحد .
قوله فمضى ، قيل فيه حدف ؛ أي فمضى إلى القتال وقاتل قتالا شديدا . قوله بشامة ، وهي الخال . قوله أو ببنانه شك من الراوي ، وهو بنان الإصبع وهو المشهور ، وكذا وقع في رواية ثابت عن أنس عند مسلم .
قوله وبه ؛ أي وبأنس بن النضر ، والواوان في وضربته ورميته للتنويع والتقسيم ، يدل عليه رواية عبد الأعلى بلفظ ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بالسهم وليست كلمة أو للشك .