حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة وحديث عضل والقارة وعاصم بن ثابت وخبيب وأصحابه

وعن أبي أسامة قال : قال لي هشام بن عروة : فأخبرني أبي قال : لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية الضمري قال له عامر بن الطفيل : من هذا ؟ فأشار إلى قتيل ، فقال له عمرو بن أمية : هذا عامر بن فهيرة . فقال : لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء ، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ، ثم وضع فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرهم فنعاهم ، فقال : إن أصحابكم قد أصيبوا ، وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا : ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا - فأخبرهم عنهم ! وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة به ، ومنذر بن عمرو سمي به منذرا . وعن أبي أسامة معطوف على قوله حدثنا عبيد الله بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، وإنما فصله ليميز الموصول من المرسل ؛ لأنه ليس في قصة بئر معونة ذكر عائشة بخلاف قصة الهجرة فإن فيها ذكر عائشة كما مضى الآن قبل هذا .

قوله لما قتل الذين ببئر معونة ، وهم القراء الذين سبق ذكرهم . قوله وأسر عمرو بن أمية ، بين ذلك عروة في المغازي من رواية الأسود عنه ، بعث النبي - عليه الصلاة والسلام - المنذر بن عمرو الساعدي إلى بئر معونة وبعث معه المطلب السلمي ليدلهم على الطريق ، فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا عمرو بن أمية فإنهم أسروه واستحيوه ، وفي رواية ابن إسحاق في المغازي أن عامر بن الطفيل اجتز ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه ، وعند العسكري : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - المنذر بن عمرو أميرا على أربعين من الأنصار ليس فيهم غيرهم إلا عمرو بن أمية ، وذلك أن أبا براء بعث ابن أخيه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في علة وجدها فدعا له بالشفاء وبارك فيما أنفذه إليه فبرئ ، فبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ابعث إلى أهل نجد من شئت فإني جار لهم . وفي المغازي لأبي معشر : كان أبو براء كتب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ابعث إلي رجالا يعلمون القرآن وهم في ذمتي وجواري ! فبعث إليه المنذر بن عمرو في أربعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار ، فلما ساروا إليهم بلغهم أن أبا براء مات ، فبعث المنذر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستمد ، فأمده بأربعين نفرا أميرهم عمرو بن أمية ، وقال : إذا اجتمع القوم كان عليهم المنذر - فلما وصلوا بئر معونة كتبوا إلى ربيعة بن أبي البراء نحن في ذمتك وذمة أبيك فنقدم عليك أم لا ؟ قال : أنتم في ذمتي ، فاقدموا ! وفي آخره : قدم عليه - صلى الله عليه وسلم - خبر بئر معونة وأصحاب الرجيع ، وبعث محمد بن مسلمة في ليلة واحدة .

وقال ابن سعد : كانت سرية المنذر بن عمرو الساعدي المعتق للموت إلى بئر معونة في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة ، قالوا : قدم عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة الكلابي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهدى له فلم يقبل منه ، وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد ، وقال : لو بعثت معي نفرا من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك ! فقال : إني أخاف عليهم أهل نجد ! قال : أنا لهم جار ! فبعث معه سبعين من الأنصار شببة يسمون القراء ، وأمر عليهم المنذر ، فلما نزلوا بئر معونة قدموا حرام بن ملحان بكتاب سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عامر ابن الطفيل فقتل حراما ، واستصرخ عليهم بنو عامر فأبوا وقالوا : لا نخفر أبا براء ! فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية ورعل وذكوان ورعب والقارة ولحيان فنفروا معه ، فقتل الصحابة كلهم رضي الله تعالى عنهم إلا عمرو بن أمية ، فأخبره جبريل - صلى الله عليه وسلم - بخبرهم وخبر مصاب خبيب ومرثد تلك الليلة . قلت : المنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج الأنصاري الساعدي ، وهو المعروف بالمعتق للموت ، شهد العقبة وبدرا وأحدا ، وكان أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة وأحد النقباء الاثني عشر ، وكان يكتب في الجاهلية بالعربية ، وقال أبو عمر : وكان على الميسرة يوم أحد ، وقتل بعد أحد بأربعة أشهر ونحوها وذلك سنة أربع في أولها يوم بئر معونة شهيدا . قوله قال له عامر بن الطفيل ؛ أي قال لعمرو بن أمية عامر بن الطفيل من هذا ؟ كأنه أشار إلى قتيل ، وقال الواقدي بإسناده عن عروة : إن عامر بن الطفيل قال لعمرو بن أمية هل تعرف أصحابك ؟ قال : نعم - فطاف في القتلى ، فجعل يسأله عن أنسابهم .

قوله فقال : لقد رأيته ؛ أي فقال عامر بن الطفيل لقد رأيت عامر بن فهيرة بعدما قتل ، إلى قوله : ثم وضع . والفائدة من الرفع والوضع تعظيم عامر بن فهيرة وبيان قدره وتخويف الكفار وترهيبهم ، قال أبو عمر : ويروى عن عامر بن الطفيل أنه قال : رأيت أول طعنة طعنت عامر بن فهيرة نورا خرج منها ! وذكر ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال : لما قدم عامر بن الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : من الرجل الذي لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه ثم وضع ؟ فقال له : عامر بن فهيرة . وذكر ابن المبارك وعبد الرزاق جميعا عن معمر عن الزهري عن عروة قال : طلب عامر بن فهيرة يومئذ في القتلى فلم يوجد ، قال عروة : فيرون أن الملائكة دفنته أو رفعته .

قوله فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرهم ، وبين في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن الله أخبره بذلك على لسان جبريل عليه السلام . قوله فنعاهم ، من نعى الميت ينعاه نعيا ونعيا إذا أذاع موته وأخبر به وإذا أندبه . قوله وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء على وزن حمراء - ابن الصلت بن حبيب بن حارثة السلمي حليف بني عمرو بن عوف ، وذكره الواقدي في أصحاب بئر معونة وقال : حدثني مصعب بن ثابت ، عن أبي الأسود ، عن عروة قال : حرص المشركون يوم بئر معونة لعروة بن الصلت أن يؤمنوه فأبى ، وكان داخلة لعامر بن الطفيل ، مع أن قومه بني سليم حرصوا على ذلك فأبى ، وقال : لا أقبل لهم أمانا ولا أرغب بنفسي عن مصرعهم ! ثم تقدم فقاتل حتى قتل شهيدا .

قوله فسمي عروة به ؛ أي فسمي عروة بن الزبير بن العوام باسم عروة بن أسماء المذكور ، يعني أن الزبير بن العوام لما ولد له عروة سماه باسم عروة بن أسماء ، وكان بين قتل عروة بن أسماء ومولد عروة بن الزبير بضع عشرة سنة . قوله ومنذر بن عمرو ؛ أي وأصيب أيضا فيهم منذر بن عمرو بن خنيس الذي ذكرناه عن قريب . قوله سمي به ؛ أي بالمنذر بن عمرو المذكور منذر بن الزبير بن العوام أخو عروة .

قوله منذرا ، كذا هو بالنصب في النسخ ، والصواب منذر بالرفع على ما لا يخفى ، وقال بعضهم : يحتمل أن تكون الرواية بفتح السين على البناء للفاعل ، والفاعل محذوف ، والمراد به الزبير - قلت : لا يعمل بهذا الاحتمال في إثبات الرواية ، وفيه أيضا إضمار قبل الذكر فافهم ، وحاصله أن الزبير سمى ابنه هذا منذرا باسم المنذر بن عمرو هذا ، ووجه التسمية فيهما بعروة ومنذر للتفاؤل باسم من رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه . واعلم أن أسماء من الأعلام المشتركة ؛ فهي اسم أم عروة بن الزبير واسم أبي عروة السلمي المذكور .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث