حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب غزوة الفتح

( باب غزوة الفتح )

( وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم ) . هذا عطف على قوله : " غزوة الفتح " والتقدير وفي بيان ما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزوة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، والمبعوث منه الكتاب وصورته : أما بعد ، يا معشر قريش ، فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل ، فوالله لو جاءكم وحده نصره الله عليكم ، وأنجز له وعده فانظروا لأنفسكم ، والسلام .

283 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، قال : أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يقول : سمعت عليا رضي الله عنه يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ج١٧ / ص٢٧٤أنا والزبير والمقداد فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوا منها ، قال : فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة ، قلنا لها : أخرجي الكتاب ، قالت : ما معي كتاب ، فقلنا : لتخرجن الكتاب ، أو لتلقين الثياب ، قال : فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا حاطب ، ما هذا ؟ قال : يا رسول الله ، لا تعجل علي ؛ إني كنت امرأ ملصقا في قريش يقول : كنت حليفا ، ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا ؛ يحمون قرابتي ، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إنه قد صدقكم ، فقال عمر : يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا ، قال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، فأنزل الله السورة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ إلى قوله : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ مطابقته للترجمة ظاهرة ، وسفيان هو ابن عيينة ، والحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم يعرف أبوه بابن الحنفية ، قال الواقدي : توفي زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، وعبيد الله بن أبي رافع مولى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأبو رافع اسمه أسلم . والحديث قد مضى في الجهاد في باب الجاسوس ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : " والزبير " بالنصب عطف على الضمير المنصوب في بعثني ، وهو الزبير بن العوام ، قوله : " والمقداد " بالنصب أيضا عطفا على " والزبير " وأكد الضمير المنصوب في بعثني بلفظ " أنا " كما في قوله تعالى : إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا ( فإن قلت ) : في رواية أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي رضي الله تعالى عنه بعثني وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام كما تقدم في فضل من شهد بدرا ، قلت يحتمل أن يكون هؤلاء الثلاثة مع علي فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكر الآخر ، وذكر ابن إسحاق الزبير مع علي ليس إلا وساق الخبر بالتثنية ، قال : فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها إلى آخره ، قوله : " روضة خاخ " بخاءين معجمتين موضع بين مكة والمدينة ، قوله : " ظعينة " أي : امرأة واسمها سارة ، وقال الواقدي : كنود ، وفي رواية أم سارة : وجعل لها حاطب عشرة دنانير على ذلك ، وقيل : دينارا واحدا ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلها يوم الفتح مع هند بنت عتبة ، ثم استؤمن لها فأمنها ، ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فقتلها ، وكانت مولاة لبني عبد المطلب ، قوله : " تعادى بنا خيلنا " أي : أسرعت بنا وتعدت عن مشيها المعتاد ، قوله : " أو لتلقين " بكسر الياء وفتحها ، قوله : " من عقاصها " بكسر العين وبالقاف ، وهي الشعور المظفورة ، ( فإن قلت ) : تقدم في باب إذا اضطر الرجل إلى النظر أنها أخرجته من الحجزة ، ( قلت ) : قال الكرماني : لعلها أخرجته من الحجزة فأخفته في العقيصة ثم أخرجته منها ، ( قلت ) : لا يخلو هذا من نظر ، وقد مر الكلام فيه في الجهاد ، قوله : " يقول : كنت حليفا " تفسير قوله : " وكنت امرأ ملصقا في قريش " ، وقال السهيلي : كان حاطب حليفا لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى ، قوله : " يدا " أي : منة وحقا ، قوله : " فقال : إنه " أي : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن حاطبا شهد بدرا ، أي : غزوة بدر ، وحاطب بالمهملتين ابن أبي بلتعة ، واسمه عمير بن سلمة بن صعب بن سهل بن عتيك .

ج١٧ / ص٢٧٥وقال أبو عمر : حاطب بن أبي بلتعة اللخمي من ولد لخم بن عدي في قول بعضهم ، وقيل : كان عبدا لعبد الله بن حميد المذكور آنفا بالكتابة ، فأدى كتابته يوم الفتح ، مات سنة ثلاثين بالمدينة ، وهو ابن ثنتين وستين سنة ، وصلى عليه عثمان رضي الله تعالى عنه ، وبعثه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بكتاب إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية في محرم سنة ست بعد الحديبية ، فأقام عنده خمسة أيام ، ورجع بهدية منها مارية أم إبراهيم ، وأختها سيرين فوهبها لحسان بن ثابت ، وبغلته دلدل ، وحماره عفير وعسل وثياب ، وغير ذلك من الظرف ، وقال أبو عمر : أهدى المقوقس لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث جوار ؛ منهن أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأخرى وهبها لأبي جهم بن حذيفة العدوي ، وأخرى وهبها لحسان بن ثابت ، ثم بعثه الصديق رضي الله تعالى عنه أيضا إلى المقوقس فصالحهم ، فلم يزالوا كذلك حتى دخلها عمرو بن العاص ، فنقض الصلح ، وقاتلهم وافتتح مصر ، وذلك في سنة عشرين ، وكان حاطب تاجرا يبيع الطعام ، وترك يوم مات أربعة آلاف دينار ودراهم وغير ذلك ، وروى حاطب عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : من رآني بعد موتي فكأنما رآني في حياتي ، ومن مات في أحد الحرمين يبعث في الآمنين يوم القيامة ، وقال أبو عمر : لا أعلم له غير هذا الحديث ، وفي الصحابة حاطب أربعة سواه ، قاله صاحب التوضيح ، ولم يذكر أبو عمر إلا أربعة منهم حاطب بن عمرو بن عتيك ، شهد بدرا ولم يذكره ابن إسحاق في البدريين ، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس ، وحاطب بن الحارث ، مات بأرض الحبشة مهاجرا ، وحاطب بن أبي بلتعة ، قوله : " فأنزل الله السورة " إلى آخره قال أبو عمر : قد شهد الله لحاطب بن أبي بلتعة بالإيمان في قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ قال مجاهد : هذا صريح في نزول الآية فيه وفي قوم معه كتبوا إلى أهل مكة يخبرونهم ، قوله : تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أي : تلقون إليهم النصيحة بالمودة ، قوله : وَقَدْ كَفَرُوا أي : والحال أن أهل مكة المشركين قد كفروا بما جاءكم الرسول من الحق ، وهو القرآن وأمره ، قوله : يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ أي : من مكة ، وهو استئناف كالتفسير لكفرهم ، وقيل حال من كفروا ، أي : يخرجون الرسول وإياكم من مكة لأجل إيمانكم ، قوله : إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ المعنى إن كنتم خرجتم للجهاد ولطلب مرضاة الله ، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ، قوله : تُسِرُّونَ بدل من تلقون ، وقيل استئناف ، قوله : وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ فكيف يخفى علي تحذيركم الكفار ، قوله : وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي : ومن يفعل الإسرار في هذا فَقَدْ ضَلَّ أي : فقد أخطأ سَوَاءَ السَّبِيلِ أي : طريق الحق .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث