حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع

حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد الواحد ، عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعم قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها ، قال : فقسمها بين أربعة نفر ، بين عيينة بن بدر ، وأقرع بن حابس ، وزيد الخيل ، والرابع إما علقمة ، وإما عامر بن الطفيل ، فقال رجل من أصحابه : كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء ، قال : فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ألا تأمنوني ، وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء ، قال : فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار ، فقال : يا رسول الله ، اتق الله ، قال : ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ، قال : ثم ولى الرجل ، قال خالد بن الوليد : يا رسول الله ، ألا أضرب عنقه ؟ قال : لا لعله أن يكون يصلي ، فقال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ، ولا أشق بطونهم ، قال : ثم نظر إليه ، وهو مقف فقال : إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وأظنه قال : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود . مطابقته للترجمة في قوله : بعث علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من اليمن ، وعبد الواحد هو ابن زياد . قوله : وعمارة بضم العين ، وتخفيف الميم ابن القعقاع بفتح القافين ، وسكون المهملة الأولى ابن شبرمة بضم الشين المعجمة ، وسكون الباء الموحدة ، وضم الراء الضبي الكوفي ، وعبد الرحمن بن أبي نعم بضم النون ، وسكون العين البجلي الكوفي .

والحديث مضى في أحاديث الأنبياء في باب قول الله وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا ومضى الكلام فيه هناك . قوله : ( بذهيبة ) تصغير ذهبة . قال الخطابي : أنثها على معنى القطعة ، قيل : فيه نظر لأنها كانت تبرا .

قلت : قد يؤنث الذهب في بعض اللغات ، وفي مسلم : بذهبة بفتحتين بغير تصغير . قوله : ( مقروظ ) أي مدبوغ بالقرظ بالقاف ، والراء ، والظاء المعجمة ، قال الخليل : هو شجر يدبغ بورقه ولونه إلى الصفرة . قوله : ( لم تحصل ) بصيغة المجهول أي لم تخلص من ترابها ، قال بعضهم : أي لم تخلص من تراب المعدن .

قلت : فيه نظر من وجهين أحدهما : أنه لم يجر ذكر المعدن ، والثاني : أنه لو رجع إلى المعدن لقيل : من ترابه بتذكير الضمير ، واختلف في هذه الذهيبة فقيل : كانت خمس الخمس ، وقيل : من الخمس ، وكان من خصائصه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يضعه في صنف من الأصناف للمصلحة ، وقيل : من أصل الغنيمة . قوله : ( بين عيينة بن بدر ) وما بعده بدل من قوله : بين أربعة نفر ، وعيينة مصغر عينة ابن بدر ، وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري فنسب إلى جده الأعلى ، ويكنى أبا مالك ، وقال أبو عمر : أسلم بعد الفتح ، وقيل : قبله ، وشهد الفتح مسلما ، وهو من المؤلفة قلوبهم ، وكان من الأعراب الجفاة ، وكان في الجاهلية من الجرارين يقود عشرة آلاف ، وكان اسم عيينة حذيفة فأصابته لقوة فجحظت عيناه فسمي عيينة ، وفي التوضيح : وكان عيينة من المنافقين ارتد بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وبعثه خالد إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه في وثاق فأسلم ، وعفا عنه ، وأقرع بفتح الهمزة ، وسكون القاف ، وفتح الراء ، وبالعين المهملة ، واسمه فراس ، وكان في رأسه قرع فلقب بذلك ، ابن حابس بالمهملتين ، والباء الموحدة ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي المجاشعي أحد المؤلفة قلوبهم ، وزيد الخيل هو زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في وفد طيئ سنة تسع فأسلم ، وسماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زيد الخير ، وكان يقال له زيد الخيل لكرائم الخيل التي كانت عنده ، ومات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان شاعرا محسنا خطيبا لسنا شجاعا كريما ، وكان قبل إسلامه أسر عامر بن الطفيل ، وجز ناصيته . قوله : ( إما علقمة ، وإما عامر بن الطفيل ) شك من الراوي ، وجزم في رواية سعيد بن مسروق أنه علقمة بن علاثة بضم العين المهملة ، وبالثاء المثلثة ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب الكلابي العامري من المؤلفة قلوبهم ، وكان سيدا في قومه حليما عاقلا ، ولم يكن فيه ذلك الكرم ، واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على حوران فمات بها في خلافته ، وعامر بن الطفيل مصغر الطفل القيسي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يسلم ، وعاد من عنده فخرج به خراج في أصل أذنه فمات منه ، ولذلك قيل : وذكر عامر بن الطفيل غلط من عبد الواحد فإنه كان مات قبل ذلك ، وقال الدمياطي : مات كافرا .

قوله : ( فقام رجل ) قيل : هو ذو الخويصرة التميمي ، وعند أبي داود اسمه نافع ، ورجحه السهيلي ، وقيل : اسمه حرقوص بن زهير السعدي . قوله : ( غائر العينين ) بالغين المعجمة على وزن فاعل من الغور ، والمراد أن عينيه داخلتان في محاجرهما لاصقتان بقعر الحدقة ، وهو ضد الجحوظ . قوله : ( مشرف الوجنتين ) أي بارزهما من الإشراف بالشين المعجمة ، والوجنتان : العظمان المشرفان على الخدين .

قوله : ( ناشز ) بالنون ، والشين المعجمة ، والزاي أي مرتفع الجبهة ، وأصله من النشز ، وهو ما ارتفع من الأرض . قوله : ( كث اللحية ) كثير شعرها ، ويقال لحية كثة مجتمعة ، ورجل كث اللحية ، وقوم كث . قوله : ( محلوق الرأس ) كانوا لا يحلقون رؤوسهم ، وكانوا يفرقون شعورهم .

قوله : ( مشمر الإزار ) تشميره رفعه عن الكعب . قوله ( فقال خالد بن الوليد ) وفي رواية أبي سلمة عن سعيد فقال عمر رضي الله تعالى عنه ، وقد مضى في علامات النبوة ، ولا منافاه بينهما لاحتمال أن يكون كل منهما قال ذلك ، قيل : الأرجح أنه عمر لصلابته ، ولشك الراوي في خالد ، ولأنه كان غائبا مع علي . قوله : ( لعله أن يصلي استعمل فيه لعل استعمال عسى ، وقال الكرماني : قيل : فيه دلالة من طريق المفهوم على أن تارك الصلاة مقتول .

قلت : هذا المفهوم ليس بحجة ، وفيه خلاف مشهور . قوله : ( أن أنقب ) من نقبت الحائط نقبا إذا فتحت فيه فتحا ، وقيل : بتشديد القاف من التنقيب ، وهو التشديد أراد أنه أمر بالأخذ بظواهر الأمور ، والبواطن لا يعلمها إلا الله . قوله : ( وهو مقف ) جملة حالية من قفى بالتشديد يقفي ، والفاعل منه مقف بضم الميم ، وفتح القاف ، وتشديد الفاء أي مول ، ويروى مقفي بالياء من أقفى فهو مقفي ، وأصله مقفي بضم الياء فحذفت الضمة للاستثقال ، وسكنت الياء لأجل كسر الفاء يقال : قفى الرجل القوم إذا ولاهم قفاه ، وأقفاهم يقفيهم إذا فعل ذلك فهو مقفي .

قوله : ( من ضئضئ هذا ) بضادين معجمتين مكسورتين بينهما ياء آخر الحروف بهمزة ساكنة ، وفي آخره ياء بهمزة أيضا أي من أصل هذا الرجل ، وفي رواية الكشميهني بصادين مهملتين ، قال ابن الأثير : كلاهما بمعنى الأصل ، وقد مضى في أحاديث الأنبياء أن من ضئضئ هذا أو من عقب هذا . قوله : ( رطبا ) معناه المواظبة على التلاوة أو تحسين الصوت بها ، والحذاقة ، والتجويد فيها فيجري لسانه بها ، ويمر عليها لا يتغير ، ولا ينكسر ، وقيل : معنى رطبا سهلا كما في الرواية الأخرى ، وقال الخطابي : أي يواظب عليها فلا يزال لسانه رطبا بها ، وقيل : يريد الذي لا شدة في صوت قارئه ، وهو لين رطب ، وقيل : يريد أنه يحفظ ذلك حفظا حسنا . قوله : ( حناجرهم ) جمع حنجرة ، وهو الحلقوم ، معناه لا ترفع في الأعمال الصالحة ، ولا تقبل منهم ، وقيل : لم يتمكن في قلوبهم شيء كثير من اليقين به ، وإنما يحفظونه بالألسن ، وهي مقاربة للحناجر فنسب إليها ما يقاربها .

قوله : ( يمرقون ) أي يخرجون بالسرعة . قوله : ( من الدين ) أي من الطاعة دون الملة ، ويقال طاعة الأئمة والأمراء ، وفي رواية سعيد بن مسروق : من الإسلام . قوله : ( من الرمية ) على وزن فعيلة بمعنى المفعول ، والرمية الصيد الذي ترميه فتقصده ، وينقذف فيه سهمك ، وهو كل دابة مرمية .

قوله : ( وأظنه قال ) : أي ، وأظن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال إلى آخره ، وتقدم في قصة هود : لأقتلنهم قتل عاد ، والغرض منه الاستئصال بالكلية ، وهما سواء فيه فعاد استؤصلت بالريح الصرصر ، وأما ثمود فأهلكوا بالطاغية : أي الرجفة أو الصاعقة أو الصيحة فإن قيل : إذا كان قتلهم جائزا فلم منع النبي صلى الله عليه وسلم خالدا من قتله ، قيل له : لا يلزم من قتلهم جواز قتله ، قال الخطابي : فإن قيل : لما كان قتلهم واجبا فكيف منعه منه ؟ قلنا : لعلمه بأن الله تعالى يجري قضاءه فيه حتى يخرج من نسله من يستحق القتل بسوء أفعالهم ليكون قتلهم عقوبة لهم فيكون أبلغ في المصلحة ، وقال القرطبي : إنما منع قتله وإن كان قد استوجب القتل لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ، وقال المازري : يحتمل أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن فهم من الرجل الطعن في النبوة وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة ، وليس ذلك كبيرة ، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع ، واختلف في جواز وقوع الصغيرة منهم انتهى . قلت : مذهبي أن الأنبياء معصومون من الكبائر ، والصغائر قبل النبوة وبعدها ، والذي وقع من بعضهم شيء يشبه الصغيرة لا يقال فيه إلا أنه ترك الأفضل ، وذهب إلى الفاضل ، وقيل : إنما لم يقتل الرجل ، ولم يعاقبه أيضا لأنه لم يثبت عنه ذلك بل نقله عن واحد ، وخبر الواحد لا يراق به الدم ، وأبطل عياض هذا بقوله في الحديث : اعدل يا محمد فخاطبه في الملأ بذلك حتى استأذنوه في قتله ، والصواب ما تقدم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث