باب غزوة تبوك وغزوة العسرة
( باب غزوة تبوك ) . أي هذا باب في بيان غزوة تبوك بفتح التاء المثناة من فوق ، وضم الباء الموحدة ، وسكون الواو ، وفي آخره كاف ، وقيل : سميت تبوك بالعين التي أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الناس أن لا يحسوا من مائها شيئا ، فسبق إليها رجلان وهي تبض بشيء من ماء فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها ، فسبهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وقال لهما فيما ذكر القتبي : ما زلتما تبوكانها منذ اليوم . قال القتبي : فبذلك سميت العين تبوك ، والتبوك كالنقش والحفر في الشيء ، ويرد هذا ما رواه مسلم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم ج١٨ / ص٤٥لا تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها تبوك قبل أن يأتيها ، وفي رواية ابن إسحاق فقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم : من سبق إليها ؟ قالوا : يا رسول الله ، فلان وفلان وفلان ، وفي رواية الواقدي : سبقه إليها أربعة من المنافقين معتب بن قشير ، والحارث بن يزيد الطائي ، ووديعة بن ثابت ، ويزيد بن لصيت ، وبينها وبين المدينة نحو أربع عشرة مرحلة ، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة ، وقال الكرماني : تبوك موضع بالشام .
قلت : فيه نظر لأن أهل تقويم البلدان قالوا : تبوك بليدة بين الحجر والشام ، وبها عين ونخيل ، وقيل : كان أصحاب الأيكة بها ، والمشهور ترك الصرف للتأنيث والعلمية ، وجاء في البخاري حتى بلغ تبوكا تغليبا للموضع ، وغزوة تبوك هي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، وقال ابن سعد : خرج إليها رسول الله في رجب سنة تسع يوم الخميس ، قالوا : بلغه صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام ، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة ، وأجلبت معه لخم ، وجذام ، وعاملة ، وغسان ، وقدموا مقدما لهم إلى البلقاء فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج ، وأعلمهم بالمكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك ، وذلك في حر شديد ، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة ، وهو أثبت عندنا ، وقال أبو عمر : الأثبت عندنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وقال ابن سعد : فلما سار تخلف ابن أبي ومن كان معه ، فقدم صلى الله عليه وسلم تبوك في ثلاثين ألفا من الناس ، وكانت الخيل عشرة آلاف ، وأقام بها عشرين يوما يقصر الصلاة ، ولحقه بها أبو ذر وأبو خيثمة ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يلق كيدا ، وقدم في شهر رمضان سنة تسع ، وقال ابن الأثير في كتاب الصحابة عن أبي زرعة الرازي : شهد معه تبوك أربعون ألفا ، وفي كتاب الحاكم عن أبي زرعة : سبعون ألفا ، ويجوز أن يكون عد مرة المتبوع ، ومرة التابع ،
وقال البيهقي : وقد روي في سبب خروجه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، وسبب رجوعه خبر إن صح ، ثم ذكر من حديث شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم : أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم إن كنت صادقا أنت نبي فالحق بالشام فإنها أرض المحشر ، وأرض الأنبياء عليهم السلام ، فصدق ما قالوا فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام ، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا إلى قوله : تَحْوِيلا وأمره تعالى بالرجوع إلى المدينة ، وقال فيها محياك ، وفيها مماتك ، ومنها تبعث . الحديث ، وهو مرسل بإسناد حسن. وهي غزوة العسرة .
407 - حدثني محمد بن العلاء ، حدثنا أبو أسامة ، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال : أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة ، وهي غزوة تبوك ، فقلت : يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم ، فقال : والله لا أحملكم على شيء ، ووافقته وهو غضبان ، ولا أشعر ، ورجعت حزينا من منع النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن مخافة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه علي ، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أي عبد الله بن ج١٨ / ص٤٦قيس ، فأجبته فقال : أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك ، فلما أتيته قال : خذ هذين القرينين ، وهذين القرينين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فانطلق بهن إلى أصحابك فقل : إن الله ، أو قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء فاركبوهن ، فانطلقت إليهم بهن فقلت : إن النبي صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء ، ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلي من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا لي : إنك عندنا لمصدق ، ولنفعلن ما أحببت ، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه إياهم ثم إعطاءهم بعد ، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى رضي الله عنه . مطابقته للترجمة في قوله : إذ هم معه في جيش العسرة ، وهي غزوة تبوك ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، وبريد بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء ابن عبد الله بن أبي بردة بضم الباء أيضا ، واسمه عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ، وبريد هذا يروي هذا الحديث عن جده أبي بردة بن أبي موسى .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في النذر ، وأخرجه مسلم في الأيمان والنذور بإسناد البخاري . قوله ( أسأله الحملان ) بضم الحاء المهملة أي الشيء الذي يركبون عليه ويحملهم ، وقال الكرماني : الحملان بالضم الحمل . قوله : ( ووافقته ) أي صادفته ، والواو في وهو غضبان للحال .
قوله : ( ولا أشعر ) أي والحال لا أعلم أي لم يكن لي علم بغضبه . قوله : ( حزينا ) نصب على الحال . قوله : ( ومن مخافة ) بفتح الميم مصدر ميمي أي ومن خوف أن يكون ، وكلمة أن مصدرية .
قوله : ( وجد في نفسه ) من وجد عليه يجد وجدا وموجدة أي غضب . قوله : ( سويعة ) تصغير ساعة ، وهي في الأصل جزء من الزمان ، وقد تطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءا التي هي مجموع اليوم والليلة . قوله : ( أي عبد الله ) يعني يا عبد الله هو أبو موسى الأشعري .
قوله : ( فأجب ) بفتح الهمزة ، وكسر الجيم ، أمر من الإجابة . قوله : ( هذين القرينين ) وهو تثنية قرين ، وهو البعير المقرون بآخر يقال : قرنت البعيرين إذا جمعتهما في حبل واحد ، وفي رواية أبي ذر عن غير المستملي هاتين القرينتين أي الناقتين ، وقد تقدم في قدوم الأشعريين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمر لهم بخمس ذود ، وهنا بستة أبعرة ، فإما تعددت القصة أو زادهم على الخمس واحدا . فإن قلت : قوله : ( هذين القرينين ) يقتضي أربعة فكيف قال ستة أبعرة ، وكان ينبغي أن يذكر لفظ القرينين ثلاث مرات لتكون ستة .
قلت : يحتمل أن يكون اختصارا من الراوي أو كانت الأولى اثنتين ، والثانية أربعة لأن القرين يصدق على الواحد وعلى الأكثر ، واللام في قوله : ( لستة أبعرة ) يتعلق بقوله قال : خذ . قوله : ( ابتاعهن ) في رواية الكشميهني ابتاعهم ، وكذا في رواية فانطلق بهم ، وهو تحريف ، والصواب رواية الجماعة ، وقال الكرماني : هذا من تشبيه الأبعرة بذكور العقلاء . قوله : ( لا أدعكم ) أي لا أترككم .