باب آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أي هذا باب فيه قوله تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ إلى آخر السورة . قوله آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ إخبار من الله عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك . فإن قلت : قال آمن الرسول بما أنزل إليه ، ولم يقل آمن الرسول بالله ، وقال وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ قلت الكفر ممتنع في حق الرسول ، وغير ممتنع في حق المؤمنين ، قوله : وَالْمُؤْمِنُونَ عطف على الرسول ، قوله : كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ إخبار عن الجميع ، والتقدير : والمؤمنون كلهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه المنزلة ، وإن كان بعضهم نسخ شريعة بعض بإذن الله تعالى . قوله : لا نُفَرِّقُ أي يقولون لا نفرق ، وعن أبي عمر لا يفرق بالياء على أن الفعل لكل واحد ، وقرأ عبد الله : لا يفرقون . قوله : وَقَالُوا سَمِعْنَا أي أجبنا . قوله : غُفْرَانَكَ منصوب بإضمار فعله فقال غفرانك لا كفرانك ، أي نستغفرك ولا نكفرك ، قوله : نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا الوسع ما يسع الإنسان ، ولا يضيق عليه ، والنفس يعم الملك والجن والإنس ، قاله ابن الحصار . قوله : لَهَا مَا كَسَبَتْ خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب؛ لأن في الاكتساب اعتمالا وقصدا وجهدا . قوله : إِنْ نَسِينَا المراد بالنسيان الذي هو السهو ، وقيل الترك والإغفال ، قال الكلبي : كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمرهم الله به أو أخطئوا عجلت لهم العقوبة ، فيحرم عليهم شيء من المطعم والمشرب على حسب ذلك الذنب ، فأمر الله تعالى نبيه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك ، قوله : أَوْ أَخْطَأْنَا قيل من القصد والعمد ، وقيل من الخطأ الذي هو الجهل والسهو ، وقال ابن زيد : إن نسينا شيئا مما افترضته علينا أو أخطأنا شيئا مما حرمته علينا . فإن قلت : النسيان والخطأ متجاوز عنهما ، فما فائدة الدعاء بترك المؤاخذة بهما ؟ قلت : المراد استدامته والثبات عليه كما في قوله اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وتفسير الإصر يأتي الآن ، قوله : عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا وهم اليهود وهو الشيء الذي يشق ، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة ، وأمرهم بأدائهم ربع أموالهم في الزكاة ، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها ، ومن أصاب منهم ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه ونحوه من الأثقال والأغلال التي كانت عليهم قوله : وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ فيه سبعة أقوال : الأول : ما لا يطاق ويشق من الأعمال . الثاني : العذاب . الثالث : حديث النفس والوسوسة . الرابع : الغلمة وهي شدة شهوة الجماع لأنها ربما جرت إلى جهنم . الخامس : المحبة حكي أن ذا النون تكلم في المحبة فمات أحد عشر نفسا في المجلس . السادس : شماتة الأعداء ، قال الله تعالى إخبارا عن موسى وهارون عليهما السلام ولا تشمت بي الأعداء . السابع : الفرقة والقطيعة . قوله وَاعْفُ عَنَّا أي تجاوز عنا واغفر لنا ، أي استر علينا وارحمنا ، أي لا توقعنا بتوفيقك في الذنوب أَنْتَ مَوْلانَا أي ناصرنا وولينا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ الذين جحدوا دينك ، وأنكروا وحدانيتك ، وعبدوا غيرك . وقال ابن عباس : إصرا : عهدا هذا وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا أي عهدا . قلت : المراد بالعهد الميثاق الذي لا نطيقه ، ولا نستطيع القيام به ، وقال الزمخشري : الإصر العبء الذي يأصر حامله أي يحبسه مكانه لا يستقل لثقله ، وعن ابن عباس : ولا تحمل علينا إصرا لا تمسخنا قردة ولا خنازير ، وقيل ذنبا ليس فيه توبة ولا كفارة ، وقرئ آصار على الجمع . ويقال غفرانك مغفرتك فاغفر لنا هذا تفسير أبي عبيدة . قلت : كل واحد من الغفران والمغفرة مصدر ، وقد مضى الآن وجه النصب . 68 - حدثني إسحاق ، أخبرنا روح ، أخبرنا شعبة ، عن خالد الحذاء ، عن مروان الأصفر ، عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أحسبه ابن عمر وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قال : نسختها الآية التي بعدها . هذا طريق آخر في الحديث السابق قبل هذا الباب ، ومضى الكلام فيه ، وإسحاق هو ابن منصور ، ذكره أبو نعيم وأبو مسعود وخلف وروح بن عبادة . قوله : الآية التي بعدها هي قوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/398873
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة