حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله

حدثني إبراهيم بن موسى ، عن هشام ، عن معمر ، وحدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : حدثني ابن عباس قال : حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال : انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فبينا أنا بالشأم إذ جيء بكتاب من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل قال : وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى ، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل . قال : فقال هرقل : هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل يزعم أنه نبي فقالوا نعم . قال : فدعيت في نفر من قريش ، فدخلنا على هرقل ، فأجلسنا بين يديه ، فقال : أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي .

فقال : أبو سفيان . فقلت : أنا . فأجلسوني بين يديه ، وأجلسوا أصحابي خلفي ، ثم دعا بترجمانه ، فقال : قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ، فإن كذبني فكذبوه .

قال أبو سفيان : وايم الله لولا أن يؤثروا علي الكذب لكذبت ، ثم قال لترجمانه : سله كيف حسبه فيكم . قال : قلت هو فينا ذو حسب . قال : فهل كان من آبائه ملك ؟ قال : قلت : لا .

قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا . قال : أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ؟ قال : قلت بل ضعفاؤهم . قال : يزيدون أو ينقصون ؟ قال قلت : لا بل يزيدون .

قال : هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له ؟ قال قلت : لا . قال : فهل قاتلتموه ؟ قال قلت : نعم . قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قال قلت : تكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه .

قال : فهل يغدر ؟ قال قلت : لا ، ونحن منه في هذه المدة لا ندري ما هو صانع فيها . قال : والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه . قال : فهل قال هذا القول أحد قبله ؟ قلت : لا .

ثم قال لترجمانه : قل له إني سألتك عن حسبه فيكم ، فزعمت أنه فيكم ذو حسب ، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها ، وسألتك هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا فقلت : لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه ، وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم ، فقلت : بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل ، وسألتك : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله ، وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له ، فزعمت أن لا ، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب ، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون ؟ فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم ، وسألتك هل قاتلتموه ؟ فزعمت أنكم قاتلتموه فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه ، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة ، وسألتك هل يغدر ؟ فزعمت أنه لا يغدر ، وكذلك الرسل لا تغدر ، وسألتك هل قال أحد هذا القول قبله ؟ فزعمت أن لا . فقلت : لو كان قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله ، قال : ثم قال : بم يأمركم ؟ قال قلت : يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف . قال : إن يك ما تقول فيه حقا فإنه نبي ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولم أك أظنه منكم ، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي ، قال : ثم دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأه ، فإذا فيه : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، و يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا إلى قوله اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده ، وكثر اللغط ، وأمر بنا فأخرجنا ، قال : فقلت لأصحابي حين خرجنا : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أنه ليخافه ملك بني الأصفر ، فما زلت موقنا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام ، قال الزهري : فدعا هرقل عظماء الروم فجمعهم في دار له فقال : يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد ، وأن يثبت لكم ملككم .

قال : فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ، فوجدوها قد غلقت ، فقال علي بهم ، فدعا بهم ، فقال إني إنما اختبرت شدتكم على دينكم ، فقد رأيت منكم الذي أحببت ، فسجدوا له ورضوا عنه مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأخرجه من طريقين الأول : عن إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الفراء ، عن هشام بن يوسف ، عن معمر بن راشد ، عن الزهري .. . إلخ ، والآخر : عن عبد الله بن محمد المعروف بالمسندي ، عن عبد الرزاق ، عن معمر عن الزهري إلى آخره ، وقد مر الحديث في أول الكتاب ، فإنه أخرجه هناك بأتم منه عن أبي اليمان الحكم بن نافع ، عن شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري إلى آخره ، ومضى الكلام فيه مطولا ، ولنذكر بعض شيء لطول المسافة . قوله : من فيه إلى في أي حدثني حال كونه من فمه إلى فمي ، وأراد به شدة تمكنه من الإصغاء إليه وغاية قربه من تحديثه ، وإلا فهو في الحقيقة أن يقال إلى أذني ، قوله : في المدة أي في مدة المصالحة .

قوله : فدعيت على صيغة المجهول ، قوله : في نفر كلمة في بمعنى مع نحو ادخلوا في أمم أي معهم ، ويجوز أن يكون التقدير فدعيت في جملة نفر ، والنفر اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة ، ولا واحد له من لفظه ، قوله : فدخلنا الفاء فيه تسمى فاء الفصيحة ؛ لأنها تفصح عن محذوف قبلها ؛ لأن التقدير فجاءنا رسول هرقل ، فطلبنا فتوجهنا معه حتى وصلنا إليه ، فاستأذن لنا ، فأذن فدخلنا ، قوله : فأجلسنا بفتح اللام جملة من الفعل والفاعل والمفعول ، قوله إني سائل هذا أي أبا سفيان ، قوله : بترجمانه هو الذي يترجم لغة بلغة ويفسرها ، قيل إنه عربي ، وقيل معرب ، وهو الأشهر ، فعلى الأول النون زائدة . قوله : فإن كذبني بتخفيف الذال فكذبوه بالتشديد ، ويقال كذب بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين ، مثل صدق تقول كذبني الحديث ، وصدقني الحديث قال الله لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا وكذب بالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد ، وهذا من الغرائب . قوله : لولا أن يؤثروا علي بصيغة الجمع وصيغة المعلوم ، ويروى ويؤثر بفتح الثاء المثلثة بصيغة الإفراد على بناء المجهول ، وقال ابن الأثير : لولا أن يؤثروا عني أي لولا أن يرووا عني ويحكوا .

قوله : كيف حسبه والحسب ما يعده المرء من مفاخر آبائه ، فإن قلت : ذكر في كتاب الوحي كيف نسبه ؟ قلت : الحسب مستلزم للنسب الذي يحصل به الإدلاء إلى جهة الآباء . قوله : فهل كان من آبائه ملك وفي رواية غير الكشميهني في آبائه ملك قوله : يزيدون أو ينقصون كذا فيه بإسقاط همزة الاستفهام ، وأصله أيزيدون أو ينقصون ، ويروى أم ينقصون ، وقال ابن مالك : يجوز حذف همزة الاستفهام مطلقا ، وقال بعضهم : لا يجوز إلا في الشعر . قوله : هل يرتد إلى آخره فإن قلت : لم لم يستغن هرقل عن هذا السؤال بقول أبي سفيان بل يزيدون ؟ قلت : لا ملازمة بين الارتداد والنقص ، فقد يرتد بعضهم ولا يظهر فيهم النقص باعتبار كثرة من يدخل وقلة من يرتد مثلا .

قوله : سخطة له يريد أن من دخل في الشيء على بصيرة يبعد رجوعه عنه بخلاف من لم يكن ذلك من صميم قلبه ، فإنه يتزلزل سرعة ، وعلى هذا يحمل حال من ارتد من قريش ، ولهذا لم يعرج أبو سفيان على ذكرهم ، وفيهم صهره زوج ابنته أم حبيبة ، وهو عبد الله بن جحش ، فإنه كان أسلم وهاجر إلى الحبشة ومات على نصرانيته ، وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة بعده ، وكأنه لم يكن دخل في الإسلام على بصيرة ، وكان أبو سفيان وغيره من قريش يعرفون ذلك منه ، فلذلك لم يعرج عليه خشية أن يكذبوه . قوله : قال فهل قاتلتموه إنما نسب ابتداء القتال إليهم، ولم يقل هل قاتلكم لاطلاعه على أن النبي لا يبدأ بقتال قومه حتى يبدءوا . قوله : يصيب منا ونصيب منه الأول بالياء بالإفراد ، والثاني بالنون علامة الجمع .

قوله : إني سألتك عن حسبه فيكم ذكر الأسئلة والأجوبة المذكورتين على ترتيب ما وقعت ، وحاصل الجميع ثبوت علامات النبوة في الكل ، فالبعض ما تلقفه من الكتب ، والبعض مما استقرأه بالعادة ولم تقع في كتاب بدء الوحي الأجوبة بترتيب ، والظاهر أنه من الراوي بدليل أنه حذف منها واحدة وهي قوله : هل قاتلتموه ووقع في رواية الجهاد مخالفة في الموضعين ، فإنه أضاف قوله بم يأمركم إلى بقية الأسئلة ، فكملت بها عشرة ، وأما هنا فإنه أخر قوله بم يأمركم إلى ما بعد إعادة الأسئلة والأجوبة وما رتب عليها ، قوله : وقال لترجمانه قل له أي قال هرقل لترجمانه : قل لأبي سفيان . قوله : فإنه نبي ووقع في رواية الجهاد وهذه صفة نبي وفي مرسل سعيد بن المسيب عند ابن أبي شيبة فقال هو نبي قوله : لأحببت لقاءه وفي كتاب الوحي لتجشمت أي لتكلفت ، ورجح عياض هذه ، لكن نسبها إلى مسلم خاصة ، وهي عند البخاري أيضا ، قوله : ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقرأه قيل : ظاهره أن هرقل هو الذي قرأ الكتاب ، ويحتمل أن يكون الترجمان قرأه ، فنسبت إلى هرقل مجازا لكونه آمرا بها ، قلت : ظاهر العبارة يقتضي أن يكون فاعل دعا هو هرقل ، ويحتمل أن يكون الفاعل الترجمان لكون هرقل آمرا بطلبه وقراءته ، فلا يرتكب فيه المجاز ، وعند ابن أبي شيبة في مرسل سعيد بن المسيب أن هرقل لما قرأ الكتاب قال : هذا لم أسمعه بعد سليمان عليه السلام ، فكأنه يريد الابتداء ب﴿بسم الله الرحمن الرحيم ، وهذا يدل على أن هرقل كان عالما بأخبار أهل الكتاب ، قوله : من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ذكر المدايني أن القارئ لما قرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله غضب أخو هرقل ، واجتذب الكتاب ، فقال هرقل : ما لك ؟ فقال : بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم . قال : إنك لضعيف الرأي ، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه ، لئن كان رسول الله فهو حق أن يبدأ بنفسه ، ولقد صدق أنا صاحب الروم ، والله مالكي ومالكهم .

قوله : عظيم الروم بالجر على أنه بدل من هرقل ، ويجوز بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ويجوز بالنصب أيضا على الاختصاص ، ومعناه من تعظمه الروم وتقدمه للرياسة ، قوله : إثم الأريسيين قد مضى ضبطه مشروحا ، وجزم ابن التين أن المراد هنا بالأريسيين أتباع عبد الله بن أريس ، كان في الزمن الأول ، بعث إليهم نبي فاتفقوا كلهم على مخالفة نبيهم ، فكأنه قال عليك إن خالفت إثم الذين خالفوا نبيهم ، وقيل الأريسيون الملوك وقيل العلماء ، وقال ابن فارس الزراعون ، وهي شامية الواحد أريس ، وقد مر الكلام فيه مستقصى في أول الكتاب ، قوله : فلما فرغ أي قارئ الكتاب ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون هرقل ونسب إليه ذلك مجازا لكونه الآمر به ، قلت : الذي يظهر أن الضمير في فرغ يرجع إلى هرقل ، ويؤيده قوله عنده بعد قوله : فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده أي عند هرقل ، فحينئذ يكون حقيقة لا مجازا . قوله : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة بفتح الهمزة وكسر الميم وفتح الراء على وزن علم ، ومعناه عظم وقوي أمر ابن أبي كبشة ، وهذا بسكون الميم وضم الراء لأنه فاعل أمر الأول ، وقال الكرماني : ابن أبي كبشة كناية عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شبهوه به في مخالفته دين آبائه . قلت : هذا توجيه بعيد ، وقد مر في بدء الوحي بيان ذلك مبسوطا .

قوله : قال الزهري أي أحد الرواة المذكورين في الحديث هذه قطعة من الرواية التي وقعت في بدء الوحي عقيب القصة التي حكاها ابن الناطور ، وقد بين هناك أن هرقل دعاهم في دسكرة له بحمص ، وذلك بعد أن رجع من بيت المقدس ، فعاد جوابه يوافقه على خروج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعلى هذا فالفاء في قوله فدعا فاء فصيحة ، والتقدير قال الزهري : فسار هرقل إلى حمص فكتب إلى صاحبه ضغاطر الأسقف برومية ، فجاءه جوابه ، فدعا الروم . قوله : آخر الأبد أي إلى آخر الزمان ، قوله : فحاصوا بالمهملتين أي نفروا ، قوله : فقال علي بهم أي هاتوهم لي ، يقال علي بزيد أي أحضروه لي . قوله : اختبرت أي جربت .

قوله : الذي أحببت أي الشيء الذي أحببته .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث