باب قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ يعني زنة ذرة أي هذا باب في قوله عز وجل إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وفسر مثقال ذرة بقوله زنة ذرة ، ومثقال الشيء ميزانه من مثله ، وقال الزجاج : هو مثقال من الثقل ، وقيل لكل ما يعمل وزن ومثقال تمثيلا ؛ لأن الصلاة والصيام والأعمال لا وزن لها ، ولكن الناس خوطبوا على ما يقع في قلوبهم بتمثيل ما يدرك بأبصارهم ، وقال أبو منصور الجواليقي : يظن الناس أن المثقال وزن الدنيا لا غير ، وليس كذلك ، إنما مثقال كل شيء وزنه ، وكل وزن يسمى مثقالا ، وإن كان وزن ألف ، قال الشاعر : وكلا يوفيه الجزا بمثقال قال الهروي : أي يوزن . قوله : ذرة الذرة واحدة الذر ، وهو النمل الأحمر الصغير ، وسئل ثعلب عن الذرة فقال : إن مائة نملة وزن حبة . قال ابن الأثير : وقيل إن الذرة لا وزن لها ، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس ، وزعم بعض الحساب أن زنة الشعيرة حبة ، وزنة الحبة أربع ذرات ، وزنة الذرة أربع سمسمات ، وزنة السمسمة أربع خردلات ، وزنة الخردلة أربع ورقات نخالة ، وزنة الورقة من النخالة أربع ذرات ، فعلمنا من هذا أن الذرة أربعة في أربعة ، فأدركنا أن الذرة جزء من ألف وأربعة وعشرين حبة ، وذلك أن الحبة ضربناها في أربع ذرات جاءت ست عشرة سمسمة ، والست عشرة ضربناها في أربع جاءت مائتين وست وخمسين نخالة ، فضربناها في أربع جاءت ألفا وعشرين ذرة ، وقيل : الذرة رأس النملة الحمراء ، وقيل الذرة الخردلة ، وقال الثعلبي : قال يزيد بن هارون : زعموا أن الذرة ليس لها وزن ، ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر مقدار ما ستره ، ثم وزنه فلم يزد على مقدار الخبز شيئا ، وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه ، وقال : كل واحد من هؤلاء ذرة ، وعن قتادة : كان بعض العلماء يقول : لأن تفضل حسناتي وزن ذرة أحب إلي من الدنيا جميعا ، وفي حديث ابن مسعود يرفعه : يا رب لم يبق لعبدك إلا وزن ذرة ، فيقول عز وجل ضعفوها له وأدخلوه الجنة . 103 - حدثني محمد بن عبد العزيز ، حدثنا أبو عمر حفص بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن أناسا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - نعم هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة ؟ ضوء ليس فيها سحاب ؟ قالوا : لا . قال : وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ضوء ليس فيها سحاب ؟ قالوا : لا . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما تضارون في رؤية الله عز وجل يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن تتبع كل أمة ما كانت تعبد ، فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار ، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله بر أو فاجر وغبرات أهل الكتاب ، فيدعى اليهود فيقال لهم : من كنتم تعبدون ؟ قالوا : كنا نعبد عزير ابن الله . فيقال لهم : كذبتم ، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد ، فماذا تبغون ؟ فقالوا : عطشنا ربنا فاسقنا ، فيشار ألا تردون ، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ، فيتساقطون في النار ، ثم يدعى النصارى فيقال لهم : من كنتم تعبدون ؟ قالوا : كنا نعبد المسيح ابن الله . فيقال لهم : كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد ، فيقال لهم : ماذا تبغون ؟ فكذلك مثل الأول حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها ، فيقال : ماذا تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد ؟ قالوا : فارقنا الناس في الدنيا على أفقر ما كنا إليهم ، ولم نصاحبهم ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا مطابقته للترجمة من حيث إن المفهوم من معناه أن الله تعالى يحكم يوم القيامة بين عباده المؤمنين والكافرين بعدله العظيم ، ولا يظلم أحدا منهم مثقال ذرة ، ولم أر أحدا من الشراح ذكر وجه المطابقة ، ولا أنصف في شرح هذا الحديث ، فمنهم من علقه بشيء لم يمض ، ومنهم من علقه بالمستقبل يذكر فيه ، ومنهم من شرح بعضا دون بعض ، فنقول بعون الله ولطفه : إن شيخه فيه محمد بن عبد العزيز أبو عبد الله الرملي ، يعرف بابن الواسطي ؛ لأن أصله من واسط ، وثقه العجلي ولينه أبو زرعة وأبو حاتم ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وآخر في الاعتصام ، وحفص بن ميسرة ضد الميمنة ، وعطاء بن يسار ضد اليمين ، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك الأنصاري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن يحيى بن بكير ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن سويد بن سعيد وغيره . قوله : نعم أي نعم ترون ربكم يوم القيامة ، وهذه الرؤية غير الرؤية التي هي ثواب للأولياء وكرامة لهم في الجنة ؛ إذ هذه للتمييز بين من عبد الله ، وبين من عبد غيره ، وفيه رد على أهل البدع من المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة في قولهم إن الله لا يراه أحد من خلقه ، وإن رؤيته مستحيلة عقلا ، وهذا الذي قالوه خطأ صريح ، وجهل قبيح ، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين ، ورواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والكلام فيه مستقصى في كتب الكلام ، وأما رؤية الله في الدنيا فممكنة ، ولكن الجمهور من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم على أنها لا تقع في الدنيا ، وحكى الإمام القشيري في رسالته عن الإمام أبي بكر بن فورك أنه حكي فيها قولين للإمام أبي الحسن الأشعري : أحدهما وقوعها ، والآخر أنها لا تقع . قوله : هل تضارون في ضبطه روايات : الأولى : تضارون بضم أوله وضم رائه من غير تشديد من الضير وهو المضرة كما في قوله تعالى: قَالُوا لا ضَيْرَ أي لا ضرر ، ومعناه هل يلحقكم في رؤيته ضير أي ضرر ، الثانية : هل تضارون بفتح التاء وتشديد الضاد والراء من الضرر ، ومعناه هل تضارون غيركم في حال الرؤية بزحمة ومخالفة في رؤية غيرها أو لخفائه كما يفعلون أول ليلة من الشهر ، وقال الخطابي : وأصله هل تتضارون أي تتزاحمون عند رؤيته حتى يلحقكم الضرر ، ووزنه تتفاعلون فحذفت إحدى التاءين . الثالثة : تضامون بتشديد الميم وفتح أوله ، ومعناه هل تتضامون وتتوصلون إلى رؤيته ، وأصله من الاتضمام . الرابعة : هل تضامون بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم وهو المشقة والتعب ، وأورد الثالثة والرابعة في غير هذا الموضع . قوله : بالظهيرة وهي اشتداد حر الشمس في نصف النهار ، ولا يقال ذلك في الشتاء . قوله : ضوء بالجر بدل عما قبله في الموضعين . قوله : إلا كما تضارون التشبيه إنما وقع في الوضوح وزوال الشك والمشقة والاختلاف لا في المقابلة والجهة وسائر الأمور التي جرت العادة بها عند الرؤية . قوله : أذن مؤذن أي نادى مناد . قوله : تتبع بالرفع ، ويروى بالجزم بتقدير اللام كما في قوله تعالى: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ قوله : من الأصنام والأنصاب والأصنام جمع صنم ، قال ابن الأثير : الصنم ما اتخذ إلها من دون الله ، وقيل : هو ما كان له جسم أو صورة ، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن ، والأنصاب جمع نصب بضم الصاد وسكونها ، وهو حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ، ويتخذونه صنما يعبدونه ، وقيل هو حجر كانوا ينصبونه ويذبحون عليه ، فيحمر بالدم . قوله : برا وفاجرا أي هو بر أو هو فاجر ، والبر هو الذي يأتي بالخير ويطيع ربه ، يقال : فلان يبر خالقه ويتبرره أي يطيعه ، ويجمع على أبرار ، والبار يجمع على بررة ، والفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم من فجر يفجر من باب نصر ينصر فجورا . قوله : وغبرات أهل الكتاب بضم الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة المفتوحة بعدها راء جمع غبر ، وهو جمع غابر ، والمعنى بقايا أهل الكتاب من غبر الشيء يغبر غبورا إذا مكث وبقي ، والغابر هو الماضي ، قال الأزهري : هو من الأضداد ، ثم قال : والمعروف الكثير أن الغابر هو الباقي . قوله : فيقال لهم كذبتم قال الكرماني : التصديق والتكذيب راجعان إلى الحكم الموقع لا إلى الحكم المشار إليه ؛ لأنه إذا قيل زيد بن عمرو جاء فكذبته ، فقد أنكرت المجيء لا كونه ابن عمرو ، وأجاب بقوله نفي اللازم وهو كونه ابن الله تعالى ليلزم نفي الملزوم وهو عبادة ابن الله ، أو نقول الرجوع المذكور هو مقتضى الظاهر ، وقد يتوجه بحسب المقام إليهما جميعا ، أو إلى المشار إليه فقط . قوله : كأنه سراب يحطم بعضها بعضا أي يكسر بعضها بعضا ، ومنه سميت النار الحطمة لأنها تحطم كل شيء أي تكسره وتأتي عليه ، والسراب هو الذي تراه نصف النهار كأنه ماء . قوله : أتاهم أي ظهر لهم ، والإتيان مجاز عن الظهور ، وقيل الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه ؛ لأن العادة أن من غاب عن غيره لا تمكنه رؤيته إلا بالإتيان ، فعبر بالإتيان هنا عن الرؤية مجازا ، وقيل : الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانا ، وقيل المراد بالإتيان إتيان بعض ملائكته ، وقال عياض : هذا الوجه أشبه عندي . قوله : في أدنى صورة أي أقربها ، قال الخطابي : الصورة الصفة ، يقال صورة هذا الأمر كذا أي صفته ، وأطلق الصورة على سبيل المشاكلة والمجانسة . قوله : من التي رأوه فيها أي من الصورة التي عرفوه فيها ، والرؤية بمعنى العلم لأنهم لم يروه قبل ذلك ، ومعناه يتجلى الله لهم بالصفة التي يعرفونه بها لأنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته ، فيعلمون أنه ربهم فيقولون أنت ربنا . قوله : على أفقر ما كنا إليهم أي على أحوج يعني لم نتبعهم في الدنيا مع الاحتياج إليهم ، ففي هذا اليوم بالطريق الأولى . قوله : لا نشرك بالله شيئا وفائدة قولهم هذا مع أن يوم القيامة ليس يوم التكليف استلذاذا وافتخارا به ، وتذكارا بسبب النعمة التي وجدوها .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/398942
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة