باب قوله يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم
حدثني محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا سعيد بن سليمان ، أخبرنا هشيم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر . مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد بن عبد الرحيم أبو يحيى كان يقال له: صاعقة، وسعيد بن سليمان البغدادي المشهور بسعدويه، وهشيم مصغر الهشم بن بشير الواسطي، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة جعفر بن أبي وحشية، واسمه إياس الواسطي . قوله: سورة الأنفال أي: ما سبب نزول سورة الأنفال؟ قوله: قال: نزلت في بدر أي: قال ابن عباس: نزلت سورة الأنفال في قضية بدر، هذا أحد الأقوال، وهو ما رواه أحمد بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكثيفة فأتيت به نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: اذهب فاطرحه في القبض .
قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي قال: فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اذهب فخذ سيفك قلت: الكثيفة بضم الكاف وفتح الثاء المثلثة وسكون الياء آخر الحروف وبالفاء والقبض بفتحتين بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن يقسم، وقيل: إنها نزلت هذه الآية؛ لأن بعض الصحابة سأل النبي صلى الله عليه وسلم من المغنم شيئا قبل قسمته فلم يعطه إياه؛ إذ كان شركا بين الجيش، وقال مقاتل: نزلت في أبي اليسر إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعطنا ما وعدتنا من الغنيمة، وكان قتل رجلين وأسر رجلين العباس بن عبد المطلب، وآخر يقال له: سعد بن معاذ ، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة أخماس، فنزلت ( يسألونك ) . الشوكة الحد أشار به إلى قوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وفسر الشوكة بقوله: الحد . وفي التفسير أي: تحبون أن الطائفة التي لا حد لها ولا منعة ولا قتال تكون لكم وهي العير، وهذه اللفظة أعني قوله: الشوكة الحد لم تثبت لأبي ذر .
مردفين فوجا بعد فوج ردفني وأردفني جاء بعدي أشار به إلى قوله تعالى: أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وفسر مردفين بقوله: فوجا بعد فوج وعن ابن عباس مردفين متتابعين، وعنه المردفون المدد، وعنه وراء كل ملك ملك، وعنه بعضهم على إثر بعض وكذا قال الضحاك وقتادة . وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران ، عن الزمعي ، عن أبي الحويرث ، عن محمد بن جبير ، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: نزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا في الميسرة، وقال ابن كثير: وهذا يقتضي لو صح إسناده أن الألف مردوفة بمثلها، ولهذا قرأ بعضهم مردفين بفتح الدال . قوله: ردفني وأردفني أشار بهذا إلى أن ردف بكسر الدال وأردف بمعنى واحد .
قال الطبري: العرب تقول: أردفته وردفته بمعنى، وقال الجوهري: ردفه بالكسر أي: تبعه، والردف المرتدف وهو الذي يركب خلف الراكب، وأردفته أنا إذا أركبته معك، وذلك الموضع الذي يركبه رداف، فكل شيء تبع شيئا فهو ردفه، والترادف التتابع . ذوقوا باشروا وجربوا وليس هذا من ذوق الفم أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴾وفسر ذوقوا بقوله: باشروا وجربوا وهذا من المجاز أن يستعمل الذوق، وهو مما يتعلق بالأجسام في المعاني كما في قوله تعالى: فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ولهذا قيد بقوله: وليس هذا من ذوق الفم، والضمير المنصوب في فذوقوه يرجع إلى العقاب المذكور قبله، وهو قوله: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ فيركمه يجمعه أشار به إلى قوله: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ وفسر يركمه بقوله: يجمعه وكذا فسره أبو عبيدة، فقال: يجمعه بعضه فوق بعض، وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن يزيد القراطيسي ، عن أصبغ، عن ابن زيد . والركم جمع الشيء بعضه على بعض كما قال في السحاب ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا أي: متراكبا .
والمعنى ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا حتى يتراكبوا فيجعله في جهنم . والضمير المنصوب في فيركمه يرجع إلى الفريق الخبيث . شرد فرق أشار به إلى قوله تعالى : ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾وفسر لفظ شرد بقوله: فرق وكذا فسره أبو عبيدة .
وقال الزجاج: تفعل بهم فعلا من القتل والتفريق قال: وهو بذال معجمة ومهملة لغتان، وفي التفسير أي: نكل بهم كذا فسره ابن عيينة . وقال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي وعطاء الخراساني: معناه غلظ عقوبتهم وأثخنهم قتلا؛ ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم . وإن جنحوا طلبوا أشار به إلى قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وفسر جنحوا بقوله: طلبوا وقال أبو عبيدة أي: إن رجعوا إلى المسالمة وطلبوا الصلح .
وفي التفسير أي: وإن مالوا إلى المسالمة والمهادنة فاجنح لها أي: مل إليها واقبل منهم ذلك . يثخن يغلب أشار به إلى قوله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ وفسر قوله: يثخن بقوله: يغلب وكذا فسره أبو عبيدة . وروى ابن أبي حاتم ، عن منجاب بن الحارث ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس بلفظ يظهر على الأرض .
وقال مجاهد: مكاء إدخال أصابعهم في أفواههم، وتصدية الصفير أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾وفسر المكاء بقوله: إدخال أصابعهم في أفواههم قاله عبد الله بن عمر وابن عباس، ومجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء العطاردي، ومحمد بن كعب القرظي، وحجر بن عنبس، ونبيط بن شريط، وقتادة بن زيد بن أسلم . المكاء الصفير، وزاد مجاهد وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم، والتصدية فسرها البخاري بقوله: الصفير، وكذا فسرها مجاهد رواه عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه، وفسره أبو عبيدة بالتصفيق حيث قال: التصدية صفق الأكف، وقال ابن جرير بإسناده عن ابن عمر: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق . وقال ابن أبي حاتم بإسناده إلى ابن عباس في هذه الآية: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق .
ليثبتوك ليحبسوك أشار به إلى قوله عز وجل: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ الآية . وفسر قوله: ليثبتوك بقوله: ليحبسوك وبه فسر عطاء وابن زيد، وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق . وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: ليثبتوك ليقيدوك وقاله سنيد عن حجاج ، عن ابن جريج .
قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: يريدون أن يسجروني أو يقتلوني أو يخرجوني قال: من خبرك بهذا؟ قال: ربي قال: نعم الرب ربك استوص به خيرا قال: أنا أستوصي به، بل هو يستوصي بي . ورواه ابن جرير أيضا بإسناده إلى عبيد بن عمير ، عن المطلب بن أبي وداعة نحوه . وقال ابن كثير : ذكر أبي طالب هنا غريب جدا بل منكر؛ لأن هذه الآية مدنية ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكنوا منه واجترؤوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، واعلم أن هذه الألفاظ وقعت في كثير من النسخ مختلفة بحسب تقديم بعضها على بعض وتأخير بعضها عن بعض.