باب قوله وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ
فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ وفي بعض النسخ باب فقاتلوا ، وأول الآية : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ قوله : ( وإن نكثوا ) أي وإن نكث هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة ، قوله : ( أيمانهم ) أي عهودهم ، وعن الحسن البصري بكسر الهمزة ، وهي قراءة شاذة ، قوله : وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ أي عابوه وانتقصوه ، قوله : فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ قال قتادة وغيره : أئمة الكفر كأبي جهل ، وعتبة ، وشيبة ، وأمية بن خلف ، وعدد رجالا ، والصحيح أن الآية عامة لهم ولغيرهم . وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه : ما قوتل أهل هذه الآية بعد . وروي عن علي بن أبي طالب مثله ، وعن ابن عباس : نزلت في أبي سفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد وهم الذين هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم .
وقال مجاهد : هم أهل فارس والروم . 179 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا يحيى ، حدثنا إسماعيل ، حدثنا زيد بن وهب ، قال : كنا عند حذيفة فقال : ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا من المنافقين إلا أربعة ، فقال أعرابي : إنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تخبرونا فلا ندري ، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا ، قال : أولئك الفساق ، أجل لم يبق منهم إلا أربعة : أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده . مطابقته للترجمة في قوله : ( ما بقي من أصحاب هذه الآية ) لأن إيراد البخاري هذا الحديث بهذه الترجمة يدل على أن المراد بهذه الآية هو قوله : فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ الآية ، ولكن الإسماعيلي اعترض بما رواه من حديث سفيان عن إسماعيل عن زيد ، سمعت حذيفة يقول : ما بقي من المنافقين من أهل هذه الآية : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ إلا أربعة أنفس ، ثم قال الإسماعيلي : فإذا كان ما ذكر في خبر سفيان فحق هذا أن يخرج في سورة الممتحنة ، وأما ذكر المنافقين في القرآن ففي كثير من سورة البقرة وآل عمران وغيرهما ، فلم أتى بهذا الحديث في ذكرهم ؟ قلت : هذا النسائي وابن مردويه وافقا البخاري على إخراجهما من طريق إسماعيل عند آية براءة ، وليس عندهما تعيين الآية كما أخرجها البخاري أيضا مبهمة .
ويحيى هو القطان ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد . قوله : ( أصحاب ) بالنصب على أنه منادى حذف منه حرف النداء ، قوله : ( تخبرونا ) خبر إن ويروى : تخبروننا ، على الأصل لأن النون لا تحذف إلا بناصب أو جازم ولكن قد ذكرنا أنه لغة بعض العرب وهي لغة فصيحة وتخبرونا بالتشديد والتخفيف ، قوله : ( إلا ثلاثة ) سمى منهم في رواية أبي بشر عن مجاهد أبو سفيان بن حرب ، وفي رواية معمر عن قتادة : أبو جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وأبو سفيان ، وسهيل بن عمرو ، ورد هذا بأن أبا جهل وعتبة قتلا ببدر ، وإنما ينطبق التفسير على من نزلت الآية المذكورة وهم أحياء فيصح في أن أبا سفيان وسهيل بن عمرو وقد أسلما جميعا قوله : إلا أربعة ، لم يوقف على أسمائهم . ج١٨ / ص٢٦٤قوله : ( يبقرون ) بالباء الموحدة والقاف من البقر وهو الشق ، قال الخطابي : أي ينقبون .
قال : والبقر أكثر ما يكون في الشجر والخشب . وقال ابن الجوزي : معناه يفتحون ، يقال : بقرت الشيء إذا فتحته ، ويقال : ينقرون ، بالنون بدل الباء . قوله : ( أعلاقنا ) بفتح الهمزة جمع علق بكسر العين المهملة وهو الشيء النفيس سمي بذلك لتعلق القلب به ، والمعنى يسرقون نفائس أموالنا ، وقال الخطابي : كل شيء له قيمة أو له في نفسه قدر فهو علق ، وبخط الدمياطي بالغين المعجمة مضبوطة ، وحكاه ابن التين أيضا ثم قال : لا أعلم له وجها .
قلت : له وجه لأن الأغلاق بالغين المعجمة جمع غلق بفتح الغين واللام ، وفي " المغرب " الغلق بالتحريك والمغلاق هو ما يغلق ويفتح بالمفتاح ، والغلق أيضا الباب فيكون المعنى يسرقون الأغلاق أي مفاتيح الأغلاق ويفتحون الأبواب ويأخذون ما فيه من الأشياء ، أو يكون المعنى يسرقون الأبواب وتكون السرقة كناية عن قلعها وأخذها ليتمكنوا من الدخول فيها ، قوله : ( أولئك الفساق ) أي الذين يبقرون ويسرقون ، وقال الكرماني : لا الكفار ولا المنافقون . قوله : ( أجل ) معناه نعم ، قوله : ( أحدهم ) أي أحد الأربعة ولم يدر اسمه ، قوله : ( لما وجد برده ) يعني لذهاب شهوته وفساد معدته فلا يفرق بين الأشياء ، وقال التيمي : يعني عاقبه الله في الدنيا ببلاء لا يجد معه ذوق الماء ولا طعم برودته ، انتهى . وحاصل معنى هذا الحديث أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المنافقين ، وكان يعرفهم ولا يعرفهم غيره بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من البشر ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أسر إليه بأسماء عدة من المنافقين وأهل الكفر الذين نزلت فيهم الآية ، ولم يسر إليه بأسماء جميعهم .