باب قوله استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم
حدثنا عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ، فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي ، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أتصلي عليه ، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما خيرني الله فقال : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً وسأزيده على السبعين ، قال : إنه منافق ، قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبيد بضم العين ، وفتح الباء الموحدة ، واسمه في الأصل عبد الله يكنى أبا محمد الكوفي ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، وعبيد الله بن عمر العمري . والحديث مضى في كتاب الجنائز في باب الكفن في القميص ، أخرجه مسلم في التوبة عن أبي بكر بن أبي شيبة . قوله : ( لما توفي عبد الله ) يعني ابن أبي ابن سلول ، ووقع في أكثر النسخ اسم أبيه أبي ، وقال الواقدي : إنه مات بعد منصرفهم من تبوك ، وذلك في ذي القعدة سنة تسع ، وكانت مدة مرضه عشرين يوما ، وابتداؤها من ليال بقيت من شوال ، وكذا ذكره الحاكم في الإكليل ، وقالوا : وكان قد تخلف هو ومن معه عن غزوة تبوك ، وفيهم نزلت : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا قيل : هذا يدفع قول ابن التين : إن هذه القصة كانت في أول الإسلام قبل تقرير الأحكام .
قوله : ( فأعطاه ) أي أعطى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قميصه عبد الله ، قال الكرماني : لم أعطى قميصه المنافق ؟ ثم أجاب بقوله : أعطى لابنه ، وما أعطى لأجل أبيه عبد الله بن أبي ، وقيل : كان ذلك مكافأة له على ما أعطى يوم بدر قميصا للعباس لئلا يكون للمنافق منة عليهم . قوله : ( ثم سأله أن يصلي عليه ) إنما سأله بناء على أنه حمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام ، ولدفع العار عنه وعن عشيرته ، فأظهر الرغبة في صلاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ووقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك . قوله : فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليصلي عليه .
قوله : ( أتصلي عليه ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار . قوله : ( وقد ) الواو فيه للحال . قوله : ( نهاك ربك أن تصلي عليه ) قال الكرماني : أين نهاه ونزول قوله : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بعد ذلك ، فأجاب بقوله : لعل عمر استفاد النهي من قوله تعالى : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ أو من قوله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ فإنه إذا لم يكن للاستغفار فائدة المغفرة يكون عبثا فيكون منهيا عنه ، وقال القرطبي : لعل ذلك وقع في خاطر عمر رضي الله تعالى عنه فيكون من قبيل الإلهام .
قوله : ( إنما خيرني الله ) أي بين الاستغفار وتركه . قوله : ( وسأزيد ) حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد السبعين على حقيقته ، وحمله عمر رضي الله تعالى عنه على المبالغة ، وقال الخطابي : فيه حجة لمن رأى الحكم بالمفهوم لأنه جعل السبعين بمنزلة الشرط ، فإذا جاوز هذا العدد كان الحكم بخلافه ، وكان رأي عمر التصلب في الدين ، والشدة على المنافقين ، وقصد عليه الصلاة والسلام الشفقة على من تعلق بطرف من الدين ، والتألف لابنه ولقومه ، فاستعمل أحسن الأمرين وأفضلهما . قوله : ( إنه منافق ) إنما جزم بذلك جريا على ما كان اطلع عليه من أحواله ، ولم يأخذ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله ، وصلى عليه إجراء له على ظاهر حكم الإسلام ، وذهب بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبي بصلاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عليه ، وهذا ليس بصحيح لمخالفته الأحاديث الصحيحة المصرحة بما ينافي ذلك ، وقد أخرج الطبري من طريق سعيد عن قتادة في هذه القصة قال : فأنزل الله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ قال : فذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال : وما يغني عنه قميصي من الله ، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه .
قوله : ( فأنزل الله تعالى ) إلى آخره ، زاد مسدد في حديثه عن يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر في آخره : فترك الصلاة عليهم ، وفي حديث ابن عباس : فصلى عليه ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت ، وزاد ابن إسحاق في المغازي في حديث الباب : فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله تعالى .